مليونية القرار بالعاصمة عدن.. الجنوب يحشد قوته الشعبية ويرفض إعادة هندسة المشهد بالقوة (تقرير)

مليونية القرار بالعاصمة عدن.. الجنوب يحشد قوته الشعبية ويرفض إعادة هندسة المشهد بالقوة (تقرير)

مليونية القرار بالعاصمة عدن..  الجنوب يحشد قوته الشعبية ويرفض إعادة هندسة المشهد بالقوة (تقرير)
2026-03-01 00:16:02
صوت المقاومة الجنوبية/خاص

 

حين تضيق الدنيا، يبقى هناك شعب يؤمن أن بعد العسر يسراً، وأن الفجر لا بد أن يولد من رحم الليل. هكذا بدت العاصمة عدن مساء أمس الجمعة، وهي تحتضن واحدة من المليونيات الشعبية التي شهدتها في الآونة الأخيرة، حيث احتشد مئات الآلاف في ساحة العروض بخور مكسر، تلبيةً لدعوة المجلس الانتقالي الجنوبي لإحياء “مليونية الثبات والقرار”، في رسالة سياسية واضحة تؤكد تمسك الشارع الجنوبي بقيادته السياسية ورفضه للمسار الذي يرى فيه استهدافاً مباشراً لقضيته ومكتسباته.

الحشود التي تدفقت من مختلف محافظات الجنوب – من المهرة شرقاً إلى باب المندب غرباً – رفعت أعلام الجنوب ورددت هتافات تؤكد وحدة الصف والتمسك بالثوابت الوطنية. واعتبر المشاركون أن التظاهرة تمثل محطة مفصلية لإعادة تأكيد الموقف الشعبي إزاء ما وصفوه بمحاولات فرض واقع سياسي بالقوة، عبر قرارات إغلاق مقرات المجلس الانتقالي والتضييق على قياداته، بالتزامن مع حديث عن رعاية حوار جنوبي–جنوبي لا ينسجم – بحسب المحتشدين-مع ما يجري على الأرض من إجراءات تصعيدية.

رسائل سياسية متعددة الاتجاهات

سياسيون وناشطون مشاركون في الفعالية أكدوا أن المليونية ليست مجرد حشد جماهيري، بل رسالة إلى الداخل والخارج بأن المزاج الشعبي الجنوبي لا يقبل تجاوز إرادته أو الالتفاف على مطالبه. وأشاروا إلى أن السنوات الماضية شهدت ما وصفوه بحرب خدمات أثرت بشكل مباشر على المواطنين، من تدهور الكهرباء وانهيار العملة وتأخر المرتبات، معتبرين أن تلك الملفات استُخدمت للضغط الشعبي وإضعاف المجلس الانتقالي.

كما ربط بعض المتحدثين بين التطورات الأخيرة في حضرموت وأحداث قصر معاشيق، معتبرين أن ما جرى لا يمثل حوادث منفصلة، بل يعكس تحولاً في أسلوب التعاطي مع الملف الجنوبي؛ من مرحلة الاحتواء والتوازن السياسي إلى مرحلة الضغط المباشر وفرض الوقائع بالقوة، سواء عبر إجراءات ميدانية أو قرارات إدارية تستهدف إعادة تشكيل المشهد السياسي في عدن والمحافظات الجنوبية. وأكدوا أن هذه التحولات – بحسب وصفهم – تضع الشارع الجنوبي أمام مسؤولية تاريخية تتطلب مزيداً من الوعي، وتحصين الجبهة الداخلية، وتعزيز وحدة الصف، لإفشال أي مسار يرون أنه يستهدف تقويض المشروع الجنوبي أو إعادة إنتاج ترتيبات تتجاوز إرادة الجنوبيين

تأكيد على السلمية والتحذير من الانزلاق

وفي كلماتهم، شدد عدد من القيادات المجتمعية على أن المسار الذي بدأ بإراقة الدماء – في إشارة إلى أحداث سابقة – لا يمكن أن يستمر، وأن الشارع الجنوبي سيبقى متمسكاً بخيار السلمية والحوار، مع احتفاظه بحقه في الدفاع عن حقوقه المشروعة. وحذروا في الوقت ذاته من أي محاولات لدفع الأوضاع نحو صراع داخلي أو استدراج القوات إلى مواجهات جانبية تخدم أطرافاً أخرى.

مضامين البيان الختامي

البيان الصادر عن “مليونية الثبات والقرار” تضمّن جملة من الرسائل والمطالب، يمكن تلخيص أبرزها في النقاط التالية:
• تجديد الثقة والتفويض بقيادة المجلس الانتقالي الجنوبي برئاسة عيدروس قاسم الزبيدي، والتأكيد على دعم القرارات التي تحمي ما يصفونه بالمكتسبات الوطنية.
• التمسك بالمجلس الانتقالي باعتباره – بحسب البيان – الإطار السياسي المعبر عن تطلعات شريحة واسعة من أبناء الجنوب، ورفض أي خطوات لإقصائه أو تقويض دوره.
• التأكيد على مرجعية الإعلان السياسي والوثائق الصادرة مطلع يناير 2026، باعتبارها أساساً منظماً للمرحلة.
• إدانة قرارات إغلاق مقرات المجلس في عدن، واعتبارها إجراءات تصعيدية تتحمل الجهات المنفذة لها مسؤولية تبعاتها.
• دعم أي حوار سياسي جاد يُعقد في العاصمة عدن، بضمانات إقليمية ودولية، مع اشتراط عرض أي اتفاق نهائي يتعلق بمستقبل الجنوب على استفتاء شعبي.
• المطالبة بالإفراج عن المعتقلين على خلفية الأحداث الأخيرة، وإجراء تحقيقات مستقلة – محلية ودولية – في الانتهاكات التي شهدتها عدن وبعض المحافظات الأخرى.
• التأكيد على أهمية استمرار الخدمات العامة ورفض تسييسها أو استخدامها كورقة ضغط على المواطنين.
• التشديد على دور القوات المسلحة الجنوبية والأجهزة الأمنية في حماية الاستقرار، مع التحذير من استخدامها في صراعات داخلية أو إعادة تشكيلها بما يخل بالتوازن القائم.

كما وجّه البيان رسالة مباشرة إلى المملكة العربية السعودية بصفتها الطرف الفاعل في إدارة الملف، محمّلاً إياها مسؤولية ما وصفه بتداعيات تمكين “حكومة الأمر الواقع” دون توافق سياسي شامل مع الحركة الوطنية الجنوبية.

مشهد يعكس مرحلة مفصلية

المشهد في ساحة العروض عكس – وفق مراقبين –أن  المجلس الانتقالي لديه القدرة على الحشد والتنظيم وإيصال رسائله بوضوح. وبينما تتواصل التحركات السياسية خلف الكواليس، يبدو أن الشارع الجنوبي أراد عبر هذه المليونية تثبيت معادلة مفادها أن أي تسوية أو مسار سياسي لا يمكن أن يتجاوز حضوره أو يفرض عليه دون رضاه.

في ختام الفعالية، جدد المنظمون تمسكهم بسلمية النضال وخيار الحوار، مؤكدين أن المرحلة الحالية – رغم حدتها – ليست سوى “سحابة صيف”، وأن المشروع الوطني الجنوبي سيستمر حتى تحقيق أهدافه بالوسائل التي تحفظ وحدة الصف وتجنب الانزلاق إلى صراع داخلي.

وبين خطاب الحماسة ومقتضيات السياسة، تبقى عدن اليوم أمام منعطف حساس، تتقاطع فيه الحسابات الإقليمية مع إرادة الشارع، في مشهد مفتوح على احتمالات متعددة، عنوانه الأبرز: من يملك قرار المرحلة القادمة.