
كتب| د. أمين العلياني
في ليلةٍ تُشبه يقظةَ الضمير الجمعي بعد غفوةِ ارتياب، انبثقت قرارات الرئيس عيدروس الزبيدي، مساء السبت، لا كمجرد إجراءاتٍ تنظيمية، بل كصاعقةٍ سياسيةٍ أعادت تعريف المشهد، وأسكتت ضجيجَ المتورطين في هندسة الفراغ الذي حاول فيه المُرْجِفون النيلَ من المجلس الانتقالي بوصفه مشروعًا سياسيًّا شعبيًّا معبِّرًا عن إرادة شعبٍ جنوبيٍّ عربيٍّ يذود بكل ما يملك، ويضحّي بروحه لأجل استعادة دولته كاملةَ السيادة.
ومن هنا، فقد جاءت هذه القرارات في لحظةٍ فارقةٍ بدت فيها فكرةُ حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، تلك الفكرة التي روّجت لها لجنةٌ خاصةٌ سعوديةٌ بمثابرةِ من يحفر في الصخر بيدٍ من وهم، وكأنها قدرٌ محتوم، لتؤكد أن ثمةَ فرقًا شاسعًا بين ما يُخطط له في الغرف المغلقة، وما تمليه إرادةُ شعبٍ جعل من دماء أبنائه حبرًا لا يُمحى لكتابة عقد وجوده السياسي ومشروعه التحرري. ولم تكن القرارات مجرد ترقيعٍ لشرخٍ في جدار كيان المجلس وبنيته السياسية والتنظيمية، بل كانت هدمًا كاملًا للجدار الوهمي الذي أرادوا به حجبَ الشمس عن مشروعٍ تحرري، وإعلانًا صريحًا بأن المجلس الانتقالي الجنوبي العربي ليس مجرد إطارٍ تنظيميٍّ وسياسيٍّ قابلٍ للتفاوض على بقائه، بل هو التجسيد السياسي لإرادةِ شعبٍ يرفض أن يكون هامشًا في نصٍّ يكتبه الآخرون، وحاملُ رايةِ استعادة الدولة كاملة السيادة، تلك الغاية التي لا تقبل التأويل ولا المساومة.
ولعل المتمعن في جوهر هذه القرارات وروحها يدرك يقينًا أنها لم تكن مجرد رسالةٍ سياسيةٍ عابرة، بل كانت نصًّا تأسيسيًّا جديدًا يُعيد تعريف العلاقة بين القيادة والقاعدة، وينتصر انتصارًا كاسحًا لإرادة الشعب وقواته المسلحة والأمنية، التي ظلت طوال الفترة الماضية تذود عن المشروع الوطني بسواعدَ من حديد وقلوبٍ من لهب. وبهذا جاءت هذه القرارات من الرئيس لتُعيد الاعتبار لفكرة الالتفاف العضوي حول الكيان السياسي المعبِّر عن التطلعات، لا كشعارٍ يُرفع في المناسبات، بل كممارسةٍ يوميةٍ تتجسد في تعزيز الترابط الاجتماعي والانصهار الفكري والثقافي في بوتقة الهوية الوطنية الجنوبية الجامعة، تلك الهوية التي عبّرت عنها مؤسسات المجلس التشريعية والتنفيذية والاستشارية، لتؤكد أن قوة المشروع لا تكمن في مركزية القرار فحسب، بل في هذه الشبكة المتشعبة من المؤسسات التي تعمل كجسدٍ واحدٍ نبضُه استعادة الدولة. وفي الوقت ذاته، مثّلت القرارات صفعةً مدوية لتلك الأصوات النشاز التي ظنت، في غفلةٍ من التحليل أو في غوايةِ العداء، أنها قادرةٌ على النيل من المجلس الانتقالي العربي، فصارت توسمه بـ"المنحل" في خطابٍ عدائيٍّ واضحٍ منفلت، متوهمةً أنها بقوةِ الجعجعة الإعلامية قادرةٌ على هزم إرادة شعبٍ خبر الموت والحياة معًا، ونسج من صبره دروعًا لا تخترقها سهامُ الوشاية ولا تخدشها معاولُ التآمر.
إن انتصار الرئيس الزبيدي، عبر هذه القرارات، لم يكن انتصارًا على فكرة الحل فحسب، بل كان تتويجًا لجهود قياداتٍ ميدانيةٍ أثبتت حضورها ودفاعها المستميت عن المشروع الجنوبي التحرري، تلك القيادات التي ظلت، رغم المضايقات والقرارات التعسفية التي طالتها وحاولت إرهابها ووأد صوتها، تقف في الخطوط الأمامية للدفاع عن حلم شعبٍ بأكمله. ووفقًا لذلك، جاءت القرارات لتقول لهم، وللشعب الذي ينتظر المزيد، إن الصمود والثبات في وجه العواصف ليس مجرد فضيلة، بل هو معيار الولاء والريادة، وإن القيادة ترى وتعرف وتقدر حجم التضحيات التي تُقدَّم في صمت، بعيدًا عن صخب المطالبات ومنصات المزايدة. ولعل الشعب، الذي تلقف القرارات بقلوبٍ متعطشةٍ لبرد اليقين، لا يزال يتطلع إلى مزيد من القرارات من الرئيس الزبيدي، لا رغبةً في سلطة، بل استحقاقًا لأولئك الذين أثبتوا توقًا إلى تكريس مبدأ أن الدم والنار والثبات هي عملاتٌ لا بد أن تُصرف في سوق السيادة، وأن الطريق نحو استعادة الدولة، بكل ما يكتنفه من أشواكٍ ودماء، لا يمكن أن يُختصر في بيانات الشجب أو مناكفات السياسة، بل في هذه اللحظات الفارقة التي يتحول فيها القرار القيادي إلى عنوانٍ لمرحلةٍ جديدة، وإعادةٍ لوهج العمل، وإلغاءٍ نهائيٍّ لفكرة الحل، ليس عن المجلس وحده، بل عن الحلم الجنوبي بأكمله.