حين يصبح الحشد السلمي إرادة سياسية فاعلة

حين يصبح الحشد السلمي إرادة سياسية فاعلة

حين يصبح الحشد السلمي إرادة سياسية فاعلة
2026-05-04 19:00:47
صوت المقاومة الجنوبية/خاص

كتب/عبدالكريم أحمد سعيد

لم تعد الفعاليات الجماهيرية في الجنوب مجرد مناسبات رمزية تستعاد فيها الذاكرة، بل تحولت إلى أدوات سياسية تعكس مستوى الحضور الشعبي في معادلة القرار. فالمشاركة الواسعة لم تعد تقرأ بوصفها تعبيراً عاطفياً، وإنما كرسالة سياسية مباشرة تعكس تمسك المجتمع بخياراته الكبرى، وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره وتحديد مستقبله بعيداً عن أي ضغوط أو وصاية خارجية.
لقد مثلت محطة الرابع من مايو 2017 بتفويض الرئيس القائد عيدرورس الزبيدي لقيادة المرحلة نقطة مفصلية في بلورة الإرادة الجنوبية، حيث تكرس التفويض الشعبي كإطار سياسي منح القيادة مساحة للتحرك داخلياً وخارجياً. غير أن قيمة هذا التفويض لا تكمن في رمزيته التاريخية فحسب، بل في قابليته للتجدد عبر الفعل الشعبي المستمر، باعتباره المصدر الحقيقي للشرعية، والضامن لبقاء القضية حاضرة في مختلف مسارات التفاوض والتفاعل السياسي.
في هذا السياق، تكتسب المشاركة الجماهيرية في الذكرى التاسعة بعداً يتجاوز إحياء الحدث، لتصبح بمثابة  إعادة تأكيد على وحدة الموقف الداخلي وصلابة القاعدة الشعبية. فالقضايا المصيرية لا تدار بمنطق التراخي أو الاتكال، بل تحتاج إلى حضور واعٍ يعكس إدراكاً عميقاً لطبيعة المرحلة، ويمنح الفاعل السياسي قوة تفاوضية أكبر في مواجهة التحديات المتزايدة.
وفي مقابل ذلك، تتصاعد محاولات التأثير على المزاج العام من خلال حملات إعلامية تستهدف إضعاف الزخم الشعبي وإرباك المشهد. إلا أن هذه الأدوات، على الرغم من كثافتها، تصطدم عادةٍ بحالة من الوعي المتراكم لدى المجتمع الجنوبي، الذي بات أكثر إدراكاً لطبيعة الصراع وأساليبه، وأكثر قدرة على التمييز بين الوقائع ومحاولات التضليل.
أما على مستوى العلاقات الإقليمية، فإنها تظل محكومة بمنطق المصالح المتبادلة لا الاعتبارات العاطفية. وهو ما يفرض قراءة واقعية لهذه العلاقات، تقوم على فهم توازناتها وحدودها، دون القفز إلى استنتاجات حادة أو مواقف انفعالية. فاستدامة أي علاقة سياسية تتطلب إرادة مشتركة، وإذا اختل هذا التوازن، يصبح من الضروري إعادة تقييم المسار بما يحفظ الأولويات الوطنية ويجنب الانزلاق نحو خيارات مكلفة.
في المحصلة، يقف الجنوب أمام لحظة تتطلب صلابة الداخل ومرونة التعاطي مع الخارج. فالحضور الشعبي الواعي يشكل رافعة أساسية لتعزيز الموقف السياسي، فيما يظل حسن إدارة العلاقات الإقليمية عاملاً حاسماً في تحويل هذا الحضور إلى مكاسب ملموسة. وبين هذين البعدين، تتحدد قدرة القضية الجنوبية على الانتقال من حالة  التعبير إلى مرحلة الفعل السياسي المؤثر.