
بعد مرور اثنين وثلاثين عامًا على إعلان فك الارتباط الذي أعلنه الرئيس الجنوبي علي سالم البيض في 21 مايو 1994، يعود هذا الحدث إلى واجهة المشهد السياسي الجنوبي بوصفه محطة مفصلية أعادت تعريف الصراع في اليمن والمنطقة، ورسخت لدى قطاعات واسعة من الجنوبيين قناعة راسخة بأن ما جرى منذ وحدة 1990 لم يكن مشروع شراكة متكافئة، بل عملية احتواء سياسي ممنهجة استهدفت تفكيك دولة الجنوب وإلحاقها بمركز نفوذ صنعاء.
ويعتبر سياسيون ونشطاء جنوبيون أن ذكرى فك الارتباط لم تعد مجرد مناسبة تاريخية، بل تحولت إلى عنوان سياسي دائم لقضية شعب يسعى لاستعادة دولته وهويته الوطنية، في ظل تعقيدات إقليمية ودولية ما تزال تلقي بظلالها على مستقبل المنطقة.
"من حلم الوحدة إلى صدام المصالح"
عندما أُعلنت الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990، تم الترويج لها باعتبارها مشروعًا قوميًّا جامعًا ينهي عقود الانقسام بين الشمال والجنوب. غير أن السنوات الأربع الأولى سرعان ما كشفت – بحسب مراقبين – عن اختلالات عميقة في بنية الشراكة السياسية، وسط اتهامات متزايدة لقوى النفوذ الشمالية بالسعي للهيمنة على القرار السياسي والعسكري والاقتصادي.
ومع تصاعد الخلافات بين شريكي الوحدة آنذاك، دخلت البلاد في أزمة سياسية انتهت بحرب صيف 1994، التي شكلت نقطة التحول الأخطر في تاريخ العلاقة بين الطرفين. ففي خضم المواجهات العسكرية، أعلن الرئيس الجنوبي الراحل علي سالم البيض قرار فك الارتباط، في خطوة وصفها أنصاره بأنها “محاولة لإنقاذ الجنوب من مشروع الإلغاء”، بينما اعتبرها خصومه “انقلابًا على الوحدة”.
لكن نتائج الحرب – التي انتهت بسيطرة القوات الشمالية على الجنوب – فتحت الباب، وفق روايات جنوبية واسعة، أمام مرحلة جديدة من الإقصاء السياسي وتفكيك المؤسسات الجنوبية وتسريح آلاف العسكريين والموظفين، إلى جانب إعادة هندسة المشهد الاقتصادي بما يخدم مراكز القوى التقليدية.
"الحراك الجنوبي.. كسر الصمت"
بعد سنوات من هيمنة السلطة المركزية، انفجر الغضب الشعبي في الجنوب عام 2007 مع انطلاق الحراك الجنوبي، الذي بدأ بمطالب حقوقية للمتقاعدين العسكريين قبل أن يتحول تدريجيًا إلى حركة سياسية شعبية تتبنى مشروع استعادة الدولة الجنوبية.
وشكل الحراك الجنوبي نقطة فاصلة في إعادة إحياء الهوية الوطنية الجنوبية، حيث نجح – رغم القمع والانقسامات – في إعادة القضية الجنوبية إلى واجهة الاهتمام الإقليمي والدولي، وخلق حالة تعبئة جماهيرية غير مسبوقة في محافظات الجنوب.
ويرى محللون أن الحراك تمكن من إسقاط الرواية التقليدية التي كانت تصف القضية الجنوبية باعتبارها مجرد “أزمة مطالب”، ليحولها إلى ملف سياسي متكامل يرتبط بحق تقرير المصير.
"الحرب الحوثية وإعادة تشكيل الجنوب"
مع اجتياح جماعة الحوثي للجنوب في 2015، دخلت القضية الجنوبية مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا. فقد دفعت الحرب قطاعات واسعة من الجنوبيين إلى حمل السلاح دفاعًا عن مدنهم، ما أسهم في إعادة تشكيل الخارطة العسكرية والسياسية في الجنوب.
وفي خضم تلك التحولات، برز المجلس الانتقالي الجنوبي كلاعب رئيسي في المشهد، مستفيدًا من حالة الفراغ السياسي والأمني، ومن تصاعد المزاج الشعبي المطالب بتمثيل سياسي مستقل للجنوب.
ويقول مراقبون إن المجلس الانتقالي استطاع خلال سنوات قليلة الانتقال بالقضية الجنوبية من مرحلة الاحتجاجات الشعبية إلى مرحلة الحضور السياسي والعسكري الفاعل، سواء عبر السيطرة على أجزاء واسعة من الجنوب أو من خلال حضوره في المفاوضات والاتفاقات السياسية.
"الجنوب والصراع الإقليمي"
القضية الجنوبية لم تعد شأنًا محليًا فحسب، بل أصبحت جزءًا من شبكة المصالح الإقليمية المتشابكة في اليمن. فخلال السنوات الماضية، برزت اتهامات متكررة لبعض القوى الإقليمية بمحاولة إدارة الجنوب وفق سياسة “إبقاء الأزمة دون حل”، بما يضمن استمرار النفوذ والتحكم بالقرار السياسي والعسكري.
وتتهم أصوات جنوبية المملكة العربية السعودية باتباع سياسات متقلبة تجاه الجنوب، عبر دعم أطراف متناقضة وإبقاء حالة التوازن الهش قائمة دون الوصول إلى تسوية نهائية، وهو ما يراه منتقدون محاولة لإدارة المشهد الجنوبي بما يخدم الحسابات الإقليمية أكثر من تطلعات السكان.
في المقابل، تحظى دولة الإمارات العربية المتحدة بحضور لافت في الخطاب الجنوبي، حيث يعتبرها أنصار القضية الجنوبية طرفًا ساهم في دعم القوات الجنوبية ومساندة جهود تثبيت الأمن ومكافحة الجماعات المتطرفة، خصوصًا بعد حرب 2015.
كما تُستحضر مواقف الكويت في بعض الأوساط الجنوبية باعتبارها أكثر توازنًا تجاه القضية الجنوبية مقارنة ببعض الأطراف الأخرى المنخرطة في الصراع اليمني.
"ذاكرة الجنوب وصراع الهوية"
رغم مرور عقود على حرب 1994، ما تزال الذاكرة الجمعية في الجنوب محملة بصور الإقصاء والصراع، وهو ما يفسر استمرار الحضور القوي لخطاب الهوية الجنوبية في الشارع.
ويؤكد أكاديميون أن جذور القضية الجنوبية تتجاوز البعد السياسي، إذ ترتبط أيضًا بفكرة الهوية الوطنية والخصوصية التاريخية والثقافية التي تشكلت خلال عقود ما قبل الوحدة، حين كان الجنوب يمتلك دولة مستقلة ومؤسسات ذات طابع مختلف عن الشمال.
ويرى هؤلاء أن فشل مشاريع التسوية المتعاقبة يعود إلى تجاهل هذا البعد، ومحاولة اختزال القضية في ترتيبات سياسية مؤقتة دون معالجة جذور الأزمة.
.