4 مايو .. ذاكرة خالدة وانتصار إرادة شعب

4 مايو .. ذاكرة خالدة وانتصار إرادة شعب

4 مايو .. ذاكرة خالدة وانتصار إرادة شعب
2026-04-21 16:44:28
صوت المقاومة الجنوبية/ خاص

كتب| د. أمين العلياني


تطلُّ علينا بعد اثني عشر يومًا ذكرى خالدةٌ في سِفر التاريخ الجنوبي، ذكرى لا تشبه سواها من الأيام، ولا تُقاس بغيرها من المناسبات؛ إنها ذكرى الرابع من مايو، ذلك اليوم الذي جسَّد انتصارًا جمعيًّا منقطع النظير لإرادة شعبٍ أبى إلا أن يكتب فصله الأجمل في سِفر الكرامة الوطنية. يومٌ انتفضت فيه الحناجر، وخفقت فيه القلوب، وامتزجت فيه الدموع بالبسمات، لترسم لوحةً فريدةً من الإجماع الوطني الذي قاده المجلس الانتقالي الجنوبي، بقيادة الرئيس الرمز عيدروس بن قاسم الزُّبيدي، حفظه الله ورعاه.


وإنها لذكرى تختزل في طياتها معاني العزة والإباء، وتجسد انتفاضة شعبٍ ظلَّ متمسكًا بحلمه الكبير، حلم استعادة الدولة الجنوبية كاملة السيادة، تلك الدولة التي رواها الشهداء بدمائهم الزكية، وأضاءوا دربها بأرواحهم الطاهرة، فكانت دماؤهم حبرًا خالدًا كُتبت به فصول النضال الجنوبي. ولا غرو أن يستلهم الجنوبيون من هذه الذكرى شعلةً متجددةً من الإصرار والعزم، مؤكدين أن لا شيء يعلو على صوت الأرض، ولا شيء يُساوي ثمن الحرية التي دفعوا فيها الغالي والنفيس.


في هذا اليوم المهيب، تخرج ملايين الجماهير الجنوبية في كل ربوع الجنوب، من عدن الباسلة إلى حضرموت الأبية، ومن شبوة العصية إلى أبين الصامدة، ومن المهرة الشامخة إلى سقطرة الفاتنة، ومن لحج إلى الضالع إلى يافع إلى كل شبرٍ طهورٍ من أرض الجنوب العربي، تخرج لا لتحتفل فحسب، بل لتجدد تفويضها الشعبي المطلق للرئيس عيدروس الزُّبيدي، وتوثق عهدها معه بمواصلة النضال والثبات على خيار استعادة الدولة الجنوبية كاملة السيادة، خيارًا شعبيًّا لا تراجع عنه ولا مساومة فيه.


إن شعب الجنوب، وهو يحتفي بهذه الذكرى المجيدة، إنما يبعث برسالةٍ مدويةٍ إلى كل من تسوِّل له نفسه أن يفرض وصايةً على إرادته، أو أن يقدِّم حلولًا منقوصةً تمسُّ جوهر التحرير والاستقلال. إنه يقولها صريحةً مدوية: “لا وصاية على الجنوب، ولا حلول منقوصة لمشروعنا التحرري، ولا تنازل عن استعادة دولتنا الفيدرالية كاملة السيادة”. وإن تلك الحشود المليونية التي ستملأ الساحات والميادين لَتؤكد أن الجنوب لم يعد مشروعًا قابلًا للتجزئة أو المساومة، بل أصبح قدرًا محتومًا تسير إليه الأقدار.


ويعلن الجنوبيون في هذا اليوم الخالد تمسكهم الراسخ بالثوابت والمكتسبات الوطنية التي حققها المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة الرئيس الزُّبيدي، باعتبارها المداميك الصُّلبة التي تُشيَّد عليها أركان الدولة الجنوبية القادمة. إنها ثوابت لم تولد من فراغ، ولم تُنتزع بالمناورات السياسية، بل انتُزعت بالدماء والدموع والتضحيات الجسام، وهي لهذا عصيةٌ على الكسر، منيعةٌ على الانهيار.
وإن شعب الجنوب، وهو يتطلع إلى مستقبله بثقةٍ واعتزاز، لينبِّه أولئك الذين يحاولون الانجراف في متاهات تفريخ المكونات، أو السعي إلى إضعاف المشروع الجنوبي التحرري الذي يمثله المجلس الانتقالي الجنوبي، إنما ينبههم إلى حقيقةٍ تاريخيةٍ لا تقبل الجدل: إن من يحاول الانشقاق عن إجماع شعبه، أو التخلي عن مشروعه الوطني الجامع، فإن التاريخ لا يرحم ولا يغفر، وإن خطيئة التفرقة والانقسام لهي من الخطايا التي لا تُغتفر، ولا يسامح بها دماء الشهداء الذين رووا تراب هذا الوطن الطهور.


وإن الرابع من مايو ليظل شاهدًا حيًّا على أن إرادة الشعوب إذا اتحدت، وعزيمتها إذا صدقت، فإنها لا تُقهر، ولا تنحني أمام العواصف. وإن الجنوب العربي ليمضي بثباتٍ نحو استعادة دولته كاملة السيادة، دولةً فيدراليةً حديثةً تقوم على العدل والمساواة وسيادة القانون، دولةً يظللها السلام والاستقرار، وترفرف فوقها راية الحرية خفاقةً في سماء المجد.


فسلامٌ على الرابع من مايو، يوم الكرامة والإباء، وسلامٌ على شعب الجنوب العربي الأبي، الذي علَّم الدنيا أن الإرادة إذا صدقت صنعت المعجزات، وأن النضال إذا اتصل بلغ الغايات، وأن الحلم إذا امتزج بالدم صار حقيقةً نابضةً بالحياة.