
أقدم هنا قراءة تحليلية لواقع ميداني امتدت فترة طوال 100يوما وهي كفيلة في مجال ادارة الازمات السياسية والعسكرية بتجاوز المخاطر الكبرى ..
لذا سوف اكون واقعيا في طرحي لهذه المسألة وفقا للمعطيات الميدانية.
تُعد استراتيجية "امتصاص الصدمات" التي انتهجها المجلس الانتقالي الجنوبي منذ أواخر عام 2025 تحولاً جوهرياً في فن الإدارة السياسية للأزمات، حيث انتقل المجلس من مربع الهجوم العسكري المفتوح إلى تكتيك الانكفاء المرن للحفاظ على المكتسبات الوجودية. بدأت هذه المرحلة فعلياً مع تصاعد الضغوط السعودية المباشرة والتي ترجمت من خلال التدخلات الجوية التي أعقبت الإعلان الدستوري في يناير 2026، حيث اختارت القيادة سحب جزء من القوات من مراكز الثقل الحضري لتجنب الصدام المباشر مع المملكة، وهذه الخطوة كسرت خطورة الحرب الأهلية التي خطط لها وفقا لتقديرات خاطئة، لكن القرار الاستراتيجي بعدم المواجهة أربك خطة الخصم، وهو ما عكس نضجاً في تقدير الموقف العسكري الجنوبي وتغليب مبدأ الحفاظ على "القوة الصلبة والناعمة" بدلاً من استنزافها في معارك غير متكافئة، مما أدى إلى تحويل الصدمة العسكرية إلى فرصة لإعادة التموضع الاستراتيجي بعيداً عن الاستهداف المباشر.
وعلى الصعيد السياسي، نجح المجلس في امتصاص موجة القرارات السعودية واليمنية التي استهدفت تفكيك هيكله التنظيمي عبر تبني سياسة "التفكيك الصوري" للكيان السياسي عبر مسرحية هزلية لازالت كواليسها غير واضحة لحد الان، وبالإضافة امتصاص صدمة التفكيك لمقراته الرسمية مع الحفاظ على فاعلية مؤسساته في الوسط الشعبي. هذا الأداء مكن المجلس من تحويل الضغط السياسي إلى عبء أخلاقي على خصومه، حيث أظهرت هذه المرحلة قدرة فائقة على المناورة من خلال تحويل النشاط المؤسسي إلى حراك جماهيري يصعب استهدافه بالوسائل التقليدية وهذا يعد أكبر نقطة ضعف النظام الملكي لاسيما اللجنة السعودية التي ليس لها رصيد أمني استخباراتي في تفكيك الجماهير الشعبية، مما أفرغ قرارات التهميش من محتواها العملي وجعل من وجود المجلس حقيقة موضوعية على الأرض لا يمكن تجاوزها في أي تسوية سياسية قادمة، مراهناً في ذلك على فشل البدائل في تقديم نموذج إداري أو خدمي يلبي تطلعات الشارع الجنوبي.
أما في البعد الاجتماعي والنفسي، فقد استثمر المجلس مرحلة امتصاص الصدمات في تعزيز اللحمة الوطنية الجنوبية من خلال توظيف خطاب "المظلومية السياسية" والانتهاكات والجرائم التي ارتكبت خلال التدخلات السعودية المباشرة وهي نقطة خطيرة في ملف المملكة المتهم دوليا بمثل هكذا حقوق سياسية ومدنية، هذا التوجه أدى إلى كشف تحولات المرحلة أمام الرأي العام الدولي وكذلك كان لامتصاص حالة الإحباط الشعبي وتأطيرها في قوالب رفض سلمي وتظاهرات حاشدة شهدتها عدن والمكلا خلال شهري مارس وأبريل 2026، مما أثبت أن القاعدة الجماهيرية للمجلس هي الدرع الحقيقي الذي يمتص الصدمات الخارجية، بحيث انتهت هذه المرحلة بتحول المجلس من كيان عسكري يسهل حصاره إلى تيار سياسي واجتماعي عابر للجغرافيا، يفرض شروطه عبر "الجمود النشط" بانتظار لحظة التوازن الدولي الجديدة.