
شهدت مدينة المكلا، أمس، حدثًا مفصليًا يعكس حجم الاحتقان الشعبي والإصرار الجنوبي على المضي قدمًا نحو تحقيق تطلعاته الوطنية. ففي مشهدٍ سلمي حضاري، خرجت الجماهير في تظاهرة سلمية بعنوان (كسر الوصاية وفرض الإرادة)، عبّرت خلالها عن إرادتها السياسية، ورفعت صوتها مطالبة باستعادة دولتها، تحت راية المجلس الانتقالي الجنوبي وقيادة الرئيس القائد عيدروس قاسم الزبيدي. وقد عكست هذه التظاهرة مستوى الوعي الشعبي والتمسك بالثوابت الوطنية.
غير أن هذا المشهد السلمي قوبل – للأسف – بعنفٍ مفرط، حيث تم إطلاق الرصاص الحي على مواطنين عُزّل، في انتهاك صارخ لكل القيم الإنسانية والمواثيق الدولية التي تكفل حق التظاهر السلمي.
وعلى إثر ذلك، تحوّلت لحظات التعبير الشعبي إلى مأساة، سقط فيها شهداء وجرحى، في صورة مؤلمة تعكس حجم الفجوة بين إرادة الشعب وممارسات السلطة على الأرض.
ومن هنا، فإن ما جرى اليوم لا يمكن توصيفه إلا كجريمة مكتملة الأركان، تتحمل مسؤوليتها الجهات التي أصدرت الأوامر ونفذتها، وعلى رأسها السلطات المحلية والقوى الأمنية التي لجأت إلى القوة بدلًا من الاستماع لصوت الناس. إذ كان من المفترض أن تكون هذه القوات حاميةً للمواطن، إلا أنها تحوّلت إلى أداة قمع، ما يثير تساؤلات عميقة حول طبيعة الدور الذي تمارسه هذه التشكيلات في حضرموت.
وفي هذا السياق، يبرز سؤالٌ مشروع موجّه إلى المملكة العربية السعودية ولجنتها الخاصة المعنية بإدارة الملف اليمني خلال هذه المرحلة: كيف يمكن الدعوة إلى حوار جنوبي–جنوبي في ظل واقع يُقتل فيه الجنوبي برصاص قوات مدعومة من الجهة ذاتها التي ترعى هذا الحوار؟ وكيف يمكن بناء الثقة في ظل مشاهد الدم التي تُسفك أمام مرأى ومسمع العالمين الإقليمي والدولي؟
ورغم ذلك، نؤكد أن هذه الأحداث، بدلًا من أن تُضعف الإرادة، ستزيدها صلابة. فقد أثبتت التجارب أن الشعوب التي تناضل من أجل قضاياها العادلة لا تنكسر، وأن الدماء التي تُراق تتحول إلى وقودٍ لمزيد من الإصرار. ومن عدن إلى المهرة وسقطرى، سيبقى الصوت الجنوبي حاضرًا، موحدًا حول هدفه الذي لم يتغير منذ حرب 1994: استعادة الدولة وبناء مستقبل يليق بتضحيات أبنائه.
وبناءً على ما سبق، فإن ما حدث في المكلا أمس ليس مجرد حادثة عابرة، بل محطة كاشفة تضع الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية. فإما أن يُصغى لصوت شعب الجنوب ويُحترم حقه في التعبير، أو أن تستمر دوامة العنف التي لن تجلب إلا مزيدًا من التوتر وعدم الاستقرار في الجنوب والمنطقة.
وفي الختام، يبقى الرهان، كما كان دائمًا، على وعي شعب الجنوب وصموده، وعلى عدالة القضية التي لا يمكن أن تُطفأ مهما اشتدت التحديات وتعاظمت المؤامرات.