لماذا قبل وزراء الجنوب المشاركة في الحكومة بشروط الولاء؟

لماذا قبل وزراء الجنوب المشاركة في الحكومة بشروط الولاء؟

في ظلِّ المتغيرات التي قامت بها السعودية مؤخرًا، من محاولات لضرب القوات الجنوبية -وهي قوات ضمن الشرعية المعترف بها دوليًا- دون مبررٍ قانوني، تحت مزاعمَ واهية، لم تَقِفْ عند هذا الحد، بل عملت على إقصاء اثنين من أعضاء المجلس الرئاسي، وأجبرت الوفد الجنوبي على الإعلان عمَّا تزعم أنه "حَلُّ المجلس الانتقالي" بصورةٍ غير قانونية، مُخالفةً لقوانين تشكيله وهياكله التنظيمية والتراتبية المؤسسية، مع محاولاتٍ متواصلة لتفكيك قواته. كلُّ ذلك يهدف إلى التهام الجغرافيا السياسية لصالح استراتيجية تعمل عليها المملكة، ولو كان ذلك على حساب عدالة قضية شعب الجنوب. ومن هنا تتجلى سياسة المملكة في تفاصيل تبدو صغيرة، لكنها تحمل في طياتها إعادة تشكيل المصائر، وظلمًا لقضية شعب الجنوب العادلة. فقبول وزراء جنوبيين في الحكومة الجديدة، والمشاركة فيها، لم يعد مجرد حدثٍ إداري عابر، بل هو فصل من فصول الصراع الطويل بين الحلم الوطني الجنوبي، وإرادة القوى الفاعلة في الملف اليمني، وفق حسابات إقليمية تحاول صياغة المنطقة برؤيتها. هنا لا يعود السؤال: كيف قبل هؤلاء الوزراء المشاركة؟ بل: لماذا قبلوا الدخول عبر بابٍ يبدو مفتوحًا من حيث المنافع الشخصية، وهم يدركون أن عتبة القبول مشروطة بالولاء لمن استبعد الرموز الوطنية والوزراء السابقين المطالبين باستعادة الدولة الجنوبية، وبأداء اليمين الدستوري الذي يلزمهم بالولاء لليمن الموحد، وسياسة باتت واضحة في عدم معالجة قضية شعب الجنوب لصالح إرادته. لقد كان الجنوبيون، خاصة من انتموا إلى المجلس الانتقالي أو آمنوا بعدالة قضية استعادة الدولة الجنوبية، يرفعون سقف خطابهم السياسي نحو الذروة، معتبرين أن الحق التاريخي والسيادي لا يقبل المساومة. لكن الموجة بدأت تهدأ، والأصوات أخذت تخفت، حين ظهرت أسماؤهم في التشكيلة الحكومية. ليأتي المتابع الجنوبي متسائلاً: هل كان ذلك انتصارًا لأوضاعهم الشخصية، أم استسلامًا عن المشروع الذي ضحَّى من أجله المقاتلون بدمائهم؟ الإجابة ليست في القبول ذاته، بل في الشروط التي رافقت هذا القبول: هل كان بإدراكٍ مُستهتر، أم بصمتٍ يعني التخلي عن الممارسة التي كانوا عليها قبل وجودهم في الحكومة؟ فالوزراء الجنوبيون المحسوبون على المشروع التحرري، قبلوا أن يحلفوا اليمين الدستوري الذي يلزمهم بالحفاظ على "وحدة اليمن وسلامة أراضيه". وقد يعتقدون أن هذه العبارة مجرد كلمات يمكن التهاون بمضمونها، لكنها في الحقيقة أصبحت بمثابة سيف مسلط على رقابهم؛ فمخالفتها تتيح إقالتهم فورًا، خاصة بعد أن صار من كان يحميهم -المجلس الانتقالي وقواته- مستهدفًا بالتفكيك. وليعلموا أن هذه العبارة ليست مجرد كلمات تقال في القاعات الرسمية، بل هي مفصلية قانونيًا وسياسيًا؛ تُغلق باب الحديث عن الانفصال، وتفتح باب العزل الفوري لكل من يتجاوز هذا الخط الأحمر، في نظر من انقلب على شركاء الجنوب وصار مفردًا بالقرار، مستندًا إلى دعم المملكة كقوة إقليمية لا تؤمن بمشروع استعادة الدولة الجنوبية. وهنا يطفو السؤال الأكبر: هل كان النضال الجنوبي، بكل ما حمله من تضحيات ودماء، يُختَزل في النهاية إلى مجرد رصيد للمشاركة في سلطةٍ مؤقتة ضمن حكومة مركزية، أم أنه كان من أجل استعادة دولة ذات سيادة؟ السعودية، وبتحالف مع قوى شمالية، تدرك جيدًا أن إدخال جنوبيين -كانوا محسوبين على المجلس الانتقالي- إلى الحكومة تحت شروط الولاء للوحدة اليمنية، هو وسيلة لتحويل الجنوب من "قضية تحرر" إلى "قضية تمثيل جغرافي" مُفرَّغ من المشروع والرؤية السياسية. وبهذا، فالوزير الجنوبي المحسوب على المشروع التحرري، في هذه الحالة، لم يعد ممثلًا لهذا المشروع، بل أصبح موظفًا في دولةٍ تؤمن باليمن الاتحادي كمسلَّمة لا تقبل النقاش. وهو بذلك يتحول من حاملٍ لحلم شعبي، إلى أداةٍ يمكن احتواؤها واستبدالها وتحويل مسارها متى شاءت السياسات الإقليمية عبر أدواتها اليمنية. هذه اللعبة الخطيرة تحاول المملكة أن تقدم من خلالها الجنوبي، ليس كصاحب مشروع دولة، بل كداعيةٍ لمظلومية ومصلحة شخصية، يمكن تعويضها بـ"حلول مؤقتة" تحت دعاوى مشاريع خدمية، كتلك التي ظهرت قبل أيام: حلقات قرآنية في رمضان، ومنافسات رياضية، وسلال غذائية للمعلمين... كلها تفاصيل تخلق وهم الانشغال بالتنمية، بينما تُسحب البساط عن قضية السيادة، ويُصوَّر كل جنوبي على أنه باحث عن مصلحة شخصية، لا عن قضية وطنية. وأنتم -بوصفكم وزراءً كنتم محسوبين على المجلس الانتقالي وناصرتم قضية الجنوب- تجدون أنفسكم مجبرين على الظهور في هذه المشاهد، وكأنكم خونة للحلم الذي كنتم تقولون للشعب إنكم قادته وسادته. في النهاية، يقف كل وزير جنوبي آمن بمشروع استعادة الدولة أمام خيارٍ مصيري: إما منصبٌ مشروطٌ بصمتٍ سياسي، وإما البقاء خارج السلطة مع الإصرار على المشروع التحرري. لكن القبول بالمنصب تحت شروط اليمين الدستوري والولاء الذي قيل لكم، يعني في عيون الكثيرين من الجنوبيين تخليًا عن الجوهر لصالح الشكل. وهو ما تحاول السعودية ترسيخه: أن الجنوبيين يمكن احتواؤهم، وأن قضيتهم قابلة للتفكيك إلى مطالب خدماتية، وأن أحلام السيادة يمكن تأجيلها إلى ما لا نهاية. غير أن التاريخ يعلمنا أن الشعوب التي تؤمن بحقها، لا تبيع أحلامها بمنصب ولا بوزارة. والسؤال الذي يبقى معلقًا في هواء الجنوب الحار: هل سيكون الوزراء الجنوبيون -الذين كانوا محسوبين على المجلس الانتقالي أو مناصرين للمشروع التحرري- أوعية سياسية فارغة، أم أنهم سيعودون، يومًا ما، إلى جذورهم، ويذكرون أنهم قبل كل شيء أبناء شعبٍ يحلم بدولة كاملة السيادة، لا بمجرد مقعد في حكومة تفرض عليه الصمت؟ ولكن بعد فوات الأوان، هل يمكن أن يبرروا أنفسهم؟ وهل يقبل الشعب منهم التبرير؟