
كتب/ أبو ليث الحميدي
تلبيةً لدعوة الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي، خرج الشعب الجنوبي إلى الساحات والميادين في مشهد وطني جامع، لم تقتصر ملامحه على العاصمة عدن، بل امتد إلى حضرموت والمهرة وسقطرى، في تعبير صريح عن وحدة الإرادة والقرار، وعن التفاف شعبي واسع حول القيادة السياسية في مرحلة دقيقة وحساسة من تاريخ القضية الجنوبية. لم يكن هذا الخروج الجماهيري فعلاً عاطفياً عابراً، بل استجابة واعية لنداء سياسي، حمل في مضمونه رسالة واضحة بأن الشارع الجنوبي ما زال هو الفاعل الأساسي في معادلة الصراع السياسي.
جاءت مليونية «الثبات والتصعيد الشعبي» في ظل متغيرات متسارعة، ومحاولات ممنهجة لإعادة تدوير الأزمات عبر مسارات سياسية مفروضة، تقودها قوى تُعرف بـ«شرعية الفنادق» المدعومة سعودياً، والتي سعت خلال الفترة الماضية إلى شق الصف الجنوبي، وتفكيك حاضنته الشعبية، وجرّه إلى حوارات مسلوبة الإرادة، تنتقص من جوهر قضيته الوطنية. غير أن المشهد الميداني، بزخمه الشعبي واتساعه الجغرافي، أسقط هذه الرهانات، وأعاد ترتيب الأولويات السياسية من بوابة الإرادة الشعبية.
لم يكن اتساع رقعة المشاركة الشعبية من عدن إلى حضرموت والمهرة وسقطرى مجرد دلالة عددية، بل رسالة سياسية عميقة، تؤكد أن الجنوب، بكل مكوناته الجغرافية والاجتماعية، موحّد خلف قضيته العادلة، وأن محاولات تصويره ككيانات متفرقة أو قضايا مناطقية لم تعد تجد لها صدى في وعي الشارع. لقد تحدث الجنوب في هذا اليوم بلغة واحدة، وبخطاب سياسي واحد، وبهدف وطني واضح لا لبس فيه.
سياسياً، حمل الحراك الجماهيري تجديداً صريحاً للتفويض الشعبي للرئيس القائد/ عيدروس قاسم الزُبيدي والمجلس الانتقالي الجنوبي، بوصفه الحامل السياسي والوطني لقضية شعب الجنوب. وهو تفويض لم يأتِ من فراغ، بل من تجربة سياسية أثبتت أن المجلس الانتقالي ظل، رغم الضغوط والاستهداف، الأكثر التصاقاً بتطلعات الشارع الجنوبي، والأكثر التزاماً بثوابته الوطنية، وفي مقدمتها استعادة دولة الجنوب كاملة السيادة على أرضها وحدودها المعترف بها.
وفي هذا السياق، رسم البيان الختامي للمليونية خطوطاً حمراء واضحة أمام أي محاولات للمساس بالقرار الوطني الجنوبي المستقل، أو فرض وصاية سياسية، أو إعادة إنتاج صيغ تسووية فاشلة تجاوزها الواقع. كما عبّر عن رفض قاطع لأي حوارات أو مؤتمرات تُدار خارج الإرادة الشعبية، أو تُستخدم كأدوات لتمييع القضية الجنوبية تحت مسميات براقة لا تعكس مضمونها الحقيقي.
ولم يغفل الحراك الشعبي ما يتعرض له المجلس الانتقالي الجنوبي وقياداته من حملات تشويه وتحريض إعلامي وسياسي، وصلت حد إلصاق تهم الإرهاب والفساد، في محاولة لضرب الثقة بين القيادة وقواعدها الشعبية. وقد جاء الموقف الشعبي واضحاً في رفض هذه الحملات جملةً وتفصيلاً باعتبارها أدوات ضغط سياسية مكشوفة، لا تستند إلى حقائق، بل إلى حسابات إقليمية ضيقة.
كما حمّل البيان السلطة المحلية والأجهزة الأمنية في محافظة حضرموت مسؤولية ما يتعرض له قيادات المجلس الانتقالي من ملاحقات وإجراءات تعسفية، محذراً من أن استمرار هذه السياسات قد يفتح الباب أمام انفلات أمني وغضب شعبي، لا تتحمل تبعاته إلا الجهات التي اختارت التصعيد بدل الحوار.
وفي بعده السيادي، أكد الحشد الشعبي الجنوبي رفض المساس بالرموز الوطنية الجنوبية، وفي مقدمتها علم الجنوب وهويته السياسية والتاريخية، باعتبارها رموزاً جامعة لا تقبل المساومة أو التشويه. كما طالب بإخراج القوات الشمالية المسماة بقوات الطوارئ من محافظة حضرموت، لافتقارها إلى الحاضنة الشعبية، وارتباط وجودها بممارسات وانتهاكات زادت من حالة الاحتقان بدل معالجتها.
ولأن القضية الوطنية لا تنفصل عن هموم الناس اليومية، فقد ربط البيان بين الاستحقاق السياسي وحق المواطن الجنوبي في حياة كريمة. فجاءت المطالب الملحّة بتحسين الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الكهرباء والصحة والمياه وصرف المرتبات، كجزء أصيل من معركة الكرامة الوطنية، ورفضاً لسياسات الترقيع والوعود الإعلامية التي لم تترجم إلى حلول ملموسة.
إقليمياً، وجّه الحراك الشعبي رسالة مباشرة إلى المملكة العربية السعودية، مطالباً بفك القيود المفروضة على وفد المجلس الانتقالي الجنوبي، والسماح له بالعودة إلى العاصمة عدن للتشاور مع قيادات الداخل، ونقل أي حوار جنوبي–جنوبي إلى بيئة محايدة تضمن استقلاليته وصدقيته، بعيداً عن الضغوط والإملاءات.
أما دولياً، فقد دعا البيان المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى تحمّل مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية تجاه قضية شعب الجنوب، واحترام إرادته الشعبية الحرة، ورفض أي مخرجات معلبة أو مفروضة، مؤكداً حق شعب الجنوب في تقرير مصيره وتحديد مستقبله السياسي وفقاً لإرادته الوطنية.
وفي ختام المشهد، شددت المليونية على إدانة التطرف والإرهاب بكافة أشكاله، واستنكرت العملية الإرهابية الغادرة التي استهدفت موكب القائد الجنوبي حمدي شكري، قائد اللواء الثاني عمالقة، مؤكدة أن مثل هذه الأعمال الإجرامية لن تنال من إرادة شعب الجنوب ولا من تماسك قواته الوطنية، وأن الجنوب سيظل عامل استقرار لا مصدر فوضى.
إن ما شهدته الساحات لم يكن مجرد حشد جماهيري، بل إعلان سياسي واضح بأن الجنوب حاضر، موحّد، وماضٍ في مساره بثبات وتصعيد شعبي سلمي، حتى استعادة دولته كاملة السيادة. لقد قال الشعب الجنوبي كلمته، من الميدان إلى السياسة، ووضع الجميع أمام حقيقة لا يمكن تجاوزها: أن إرادة الشعوب لا تُكسر، وأن القضايا العادلة لا تموت.