المليونية التي قيدت الطائرات وحركت القنوات وثبتت التضحيات

المليونية التي قيدت الطائرات وحركت القنوات وثبتت التضحيات

المليونية التي قيدت الطائرات وحركت القنوات وثبتت التضحيات
2026-01-18 16:34:47
صوت المقاومة الجنوبية/ تحليل / د. يحيى شايف ناشر الجوبعي

 

 


مقدمة

 في مشهد تاريخي فريد خط الشعب الجنوبي صفحة جديدة في سجل نضاله الطويل مؤكدا للعالم أن إرادته الحرة لا تقهر وأن مطالب الاستقلال والكرامة ليست مجرد شعارات، بل مشروع سياسي وسيادي  متكامل. 
كانت مليونية عدن في ١٦ يناير ٢٠٢٦م استجابة سريعة ودقيقة لدعوة الرئيس القائد عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية لتأييد الإعلان الدستوري مجسدة قدرة الشعب الجنوبي على التوحد خلف هدف التحرير والاستقلال .
لقد حملت هذه المليونية رمزية متعددة فهي لم تكن مجرد احتشاد شعبي ، بل حدث تاريخي استثنائي يعكس قوة الإرادة الشعبية وقدرتها على مواجهة التحديات مؤكدا أن كل تضحية قدمها الشهداء لم تكن عبثا ، وأن الجنوب يسير بخطى ثابتة نحو تحقيق أهدافه .

أولا : المليونية التاريخية وتقييد الطائرات.

 واحدة من أبرز رموز هذه المليونية كانت قدرتها على إحباط التدخل العسكري وتقييد الطائرات مما يدل بأن الاحتشاد السلمي كان أقوى من أي قوة.
لقد استطاع الشعب الجنوبي أن يحول دعوة سياسية إلى قوة شعبية  تعجز حتى الطائرات عن قهرها ، كما أكد أن الحشد السلمي والوعي الجماعي يشكلان حماية فعالة للوطن .
هذه المليونية التاريخية  أظهرت أن إرادة الشعب الجنوبي وإصراره على الدفاع عن حقه في الاستقلال تمنع أي طرف خارجي من فرض إرادته بالقوة ، وأن الجنوب قادر على حماية مكتسباته السياسية مهما حاولت التهديدات العسكرية لأن  
فلسفة القوة الحقيقية تدل على أن السلاح لا يضمن الانتصار ، بل إن  الانتصار الحقيقي يكمن في قدرة الجماعة على توحيد إرادتها والتعبير عن مطالبها بشكل سلمي، مؤكدا أن العدالة والحق لا يقهران إلا بالباطل الذي رفضه شعبنا الثائر .

ثانيا: المليونية التاريخية وتحريك القنوات الدولية.

شهدت هذه المليونية لأول مرة مشاركة ٢٢ قناة إعلامية دولية وعالمية وإقليمية وعربية وخليجية ويمنية وجنوبية ، مما أعطاها بعدا إعلاميا لم يسبق له مثيل .
 تعد هذه المشاركة الإعلامية المكثفة والقوية بمثابة شهادة عالمية وإقليمية وعربية على أن هذه المليونية التاريخية كانت عبارة عن استفتاء حقيقيا من قبل الشعب الجنوبي على الإعلان الدستوري ، وأظهرت أن قضية شعب الجنوب لم تعد قضية محلية فحسب، بل أصبحت اليوم قضية اهتمام عالمي ، تجذب أنظار العالم إلى إرادة شعب حر يسعى لتحقيق استقلاله .
 هذا التفاعل الإعلامي أسهم في تعزيز الشرعية الشعبية للإعلان الدستوري وأكد أن الدعم الدولي والإقليمي يبدأ من الاعتراف بالقوة الحقيقية للشعب وحقه في تقرير مصيره .
 إن الإعلام هنا لم يكن مجرد ناقل للحدث ، بل أصبح جزءا من صياغة الواقع السياسي ، حيث أن الصورة العامة للعالم تتشكل بما يعكس قوة الشعوب وتوحدها ، ما يؤكد بأن القوة الناعمة أحيانا تفوق القوة العسكرية في تغيير موازين التأثير والشرعية.

ثالثا :المليونية التاريخية وتثبيت التضحيات

  أكثر ما يميز هذه المليونية هو المعنى العميق لتثبيت التضحيات الجنوبية ، إذ أكدت بأن الدماء التي سقطت في سبيل استقلال الجنوب لم تذهب هباء .
 ولهذا فقد أعادت المليونية تذكير الجميع بأن الهدف من النضال المستمر للشهداء هو استعادة السيادة وبناء دولة حرة ، وأن الحشد الجماهيري يعكس الالتزام بالقيم التي ضحوا من أجلها.
أن تثبيت التضحيات الجنوبية يعكس قدرة القيادة والشعب على تحويل الفقدان الشخصي للأفراد إلى قوة جماعية وإرادة سياسية متينة ، ما يجعل أي خسارة في الماضي بمثابة حجر أساس للمستقبل ، مما يؤكد بأن الحرية ليست هبة تأتي من الآخرين، بل حق يستعاد بالتضحيات والصمود ، وأن التاريخ لا يكتب إلا بعزم الشعوب وإيمانها بمصيرها المشترك.

خاتمة

 لقد رسمت مليونية ١٦ يناير ٢٠٢٦ لوحة استثنائية في تاريخ الجنوب ، فهي لم تكن مجرد حدث سياسي، بل درس عملي في القوة الشعبية والتلاحم والإرادة الحرة. 
  لقد قيدت الطائرات بسلميتها ، وحركت وبقوة قنوات الإعلام الدولي والإقليمي والعربي والخليجي واليمني مجتمعة ولأول مرة بهذا الحجم المكثف لأهميتها المتفردة ، وثبتت التضحيات التي قدمها الشهداء ، مؤكدة أن الحق في الاستقلال لا يزول ، وأن إرادة الشعب الجنوبي أقوى من أي تهديد أو ضغط خارجي.
 اليوم يقف الجنوب على أعتاب مرحلة جديدة ، مرحلة يتشكل فيها مستقبله بيده ، مستلهما من تضحيات الماضي ، متحديا كل العقبات ، ومؤكدا أن التحرير والاستقلال ليس خيارا، بل حقيقة لا يمكن التراجع عنها.


*أكاديمي ومحلل سياسي