
في السابع عشر من يناير 2026، ودع الجنوب والعالم العربي شخصية بارزة شكلت مرحلة مهمة في تاريخ اليمن الحديث، الرئيس القائد/ علي سالم البيض، الرجل الذي كرّس حياته كلها لقضية الجنوب وحماية حقوقه التاريخية، وجعل من اسمه رمزاً للكرامة والصمود، وصوتاً صادقاً لشعبه في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية. لقد عاش البيض تجربة طويلة ومعقدة في قيادة الجنوب، بدأها منذ شبابه في العمل السياسي، حيث برز كقائد يتمتع برؤية استراتيجية واضحة وقدرة على قراءة المشهد السياسي المعقد في جنوب اليمن، وحاز احترام الجميع، داخلياً وخارجياً، لما عرف عنه من صلابة في المواقف ومبادئ راسخة لا تتزعزع أمام الضغوط والمغريات السياسية.
تولى علي سالم البيض رئاسة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في فترة حساسة من تاريخ الجنوب، وكانت قيادته محورية في بناء مؤسسات الدولة الجنوبية الحديثة، وحماية الهوية الوطنية الجنوبية من أي محاولات للاستغلال أو التهميش. لقد شكلت رؤيته السياسية أساساً لمطالب العدالة والمساواة، وسعى باستمرار إلى ترسيخ دولة قوية قادرة على الدفاع عن شعبها ومكتسباته. وقد أكسبه هذا الدور مكانة بارزة بين قيادات الجنوب ووفرت له قاعدة دعم شعبية واسعة، حيث عرف عنه دائماً أنه صوت من لا صوت لهم، ويدافع عن حقوق كل جنوبي مهما كانت الظروف صعبة ومعقدة.
ومع الوحدة اليمنية المشؤومة عام 1990، دخل علي سالم البيض مرحلة جديدة من حياته السياسية، حيث أصبح نائباً لرئيس الجمهورية اليمنية الموحدة، وكان عليه مواجهة تحديات جسام، إذ شهد الجنوب تغييرات سياسية كبيرة، محاولات للإقصاء، وصراعات على السلطة والمصالح لم تضع في اعتبارها حقوق الجنوب ومكاسبه. كان البيض دائماً في مقدمة المدافعين عن الجنوب، ولم يرضَ بالحلول الجزئية أو التنازلات التي تمس حقوق شعبه، بل حافظ على مبدأ الدفاع عن الهوية الجنوبية، وحرص على إبراز قضيتها على المستوى الوطني والدولي، ورفض أي محاولات لطمسها أو تقليص مكانتها السياسية.
شهدت فترة ما بعد الوحدة صراعات سياسية وحرباً عسكرية عام 1994، شكلت نقطة تحول كبيرة في تاريخ الجنوب، وقد واجه البيض خلالها ضغوطاً هائلة ومحاولات لإقصائه، لكنه ظل صامداً، مدافعاً عن الحقوق الجنوبية، وصاحب رؤية واضحة لمستقبل الجنوب. لم يكن صموده مجرد موقف سياسي، بل كان رسالة لكل الجنوبيين بأن الكرامة والحق لا يُساوم عليهما، وأن الدفاع عن القضية الجنوبية واجب وطني مستمر، مهما كانت التضحيات والمخاطر.
وفاته اليوم تمثل فقداناً كبيراً للجنوب، ليس فقط لفقدان شخصية سياسية بارزة، بل لفقدان رمز تاريخي للجنوبيين جميعًا، رجل جسّد الصمود والوفاء للحق والعدالة، ومثل نموذجاً للقيادة التي تستمد قوتها من مبادئها والتزامها بقضايا شعبها. إن ذكراه ليست مجرد سجل تاريخي، بل هي منارة لكل الجنوبيين تدعوهم إلى توحيد الصفوف، والعمل بكل جهد على استكمال مسيرة بناء الدولة الجنوبية المستقلة، وحماية مكتسباتها، والوفاء لتضحيات الشهداء والقادة الذين سبقوه.
يجب على الجنوبيين جميعاً أن يستلهموا من حياة علي سالم البيض الدروس في القيادة، والصمود، والتمسك بالمبادئ، وأن يجعلوا من وفاته حافزاً للعمل على تحقيق رؤية الدولة الجنوبية القوية، العادلة والمستقلة، التي عانى من أجلها طوال حياته. إن إرثه السياسي والمعنوي سيظل خالداً في وجدان كل جنوبي، وسيكون مرجعًا لكل من يسعى للحفاظ على الهوية الجنوبية، واستعادة الكرامة والسيادة التي يمثلها الجنوب في تاريخ اليمن الحديث. رحيل علي سالم البيض ليس نهاية لقضية الجنوب، بل بداية جديدة تتطلب من الجميع مسؤولية مضاعفة، وإصراراً على المضي قدماً في مسيرة الحرية والسيادة، لتبقى إرادة الجنوب حية، وقوته صامدة، كما كان يطمح هو طوال حياته، ولتظل الذكرى حيّة في قلوب الأجيال القادمة التي عليها أن تكون وفية لمبادئه، وتكمل الطريق الذي بدأه بكل شجاعة وعزم وإصرار على الحق والكرامة.