
كتب| عبدالكريم أحمد سعيد
تفرض التطورات المرتبطة بملف الوفد الجنوبي الموجود في الرياض منذ الخامس من يناير 2026، ضرورة إعادة النظر في كيفية إدارة هذا الملف وتداعياته السياسية، خصوصاً بعد مرور نحو عشرة أشهر على مغادرة الوفد وطنه استجابة لدعوة سياسية، في سياق كان يفترض أن يفتح المجال أمام التشاور والحوار ومعالجة التباينات. غير أن استمرار غياب الوضوح بشأن وضع الوفد، وتعذر عودته إلى العاصمة عدن، جعلا من هذه المسألة قضية تتجاوز حدود الوفد وأعضائه، لتلامس جوهر العلاقة السياسية بين المملكة العربية السعودية والجنوب، وما تتطلبه هذه العلاقة من ثقة متبادلة واحترام للإرادة والاعتبارات الوطنية.
من الناحية السياسية، لا يمكن النظر إلى استمرار بقاء الوفد في الرياض بمعزل عن السياق الذي جاء فيه، ولا عن طبيعة المهمة التي استدعت وجوده هناك. فالوفد الذي يتوجه إلى عاصمة دولة شقيقة استجابة لدعوة سياسية، يفترض أن يكون مشاركاً في مسار تشاوري تحكمه اعتبارات الاحترام المتبادل والاختيار الحر، وأن تظل عودته إلى وطنه حقاً أصيلاً لا يرتبط بنتائج المباحثات أو مستوى التوافق مع الأطراف الأخرى. ذلك أن الحوار، في المفهوم السياسي والدبلوماسي، لا يقوم على تقييد خيارات المشاركين، وإنما على توفير البيئة التي تضمن لهم حرية التعبير واتخاذ المواقف والعودة دون ضغوط أو قيود.
إن استمرار هذه الحالة يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة المسار السياسي الذي أُحيل إليه ملف الوفد، ومدى اتساق الإجراءات المتخذة معه مع المبادئ التي يفترض أن تحكم العلاقات بين الشركاء. فحتى في ظل وجود خلافات أو تباينات في الرؤى والمواقف، تظل المعالجة السياسية هي الخيار الأكثر اتزاناً، ولا ينبغي أن تتحول الخلافات إلى وضع يحد من حرية الشخصيات السياسية أو يعطل حقها في العودة إلى بلادها. ومن المهم هنا التمييز بين الاختلاف السياسي المشروع وبين الإجراءات التي قد تفهم باعتبارها وسيلة للضغط أو التأثير في المواقف، لما لذلك من انعكاسات تتجاوز أطراف الخلاف المباشرين.
ومن زاوية أخرى، فإن استمرار غياب الوفد عن المشهد الجنوبي يترك فراغاً سياسياً لا يمكن تجاهل آثاره، بالنظر إلى مكانة أعضائه وأدوارهم السياسية والتنظيمية والاجتماعية. فهؤلاء ليسوا مجرد شخصيات غادرت إلى الرياض في مهمة عابرة، بل يمثلون جزءاً من مكونات المشهد السياسي الجنوبي، ولهم ارتباطات ومسؤوليات تجاه قواعدهم وبيئتهم الوطنية. ومن ثم، فإن عودتهم ليست شأناً شخصياً فحسب، بل ترتبط بضرورة استعادة حضورهم السياسي، وتمكينهم من المشاركة في النقاشات والاستحقاقات التي تفرضها المرحلة الراهنة، بما يعزز وحدة الصف الجنوبي وتماسك مكوناته.
ولا يقل أهمية عن ذلك أن قضية الوفد أصبحت ذات انعكاس مباشر على مستوى الثقة الشعبية في المسارات السياسية التي تطرح لمعالجة قضية شعب الجنوب. فالثقة لا تبنى بالتصريحات أو المبادرات وحدها، وإنما بمدى اتساق الممارسة مع المبادئ المعلنة. وعندما تطول حالة الغموض بشأن وفد سياسي استجاب لدعوة رسمية، فإن ذلك يفتح المجال أمام تفسيرات وتأويلات متعددة، وقد ينعكس سلباً على صورة الحوار وجدواه، ويعزز الشكوك لدى قطاعات من الشارع الجنوبي بشأن الضمانات التي تحكم أي مسار سياسي مقبل.
ومن هنا، فإن المصلحة المشتركة تقتضي التعامل مع هذه المسألة باعتبارها أولوية سياسية تستدعي معالجة واضحة ومسؤولة. فالمملكة العربية السعودية، بما تمثله من ثقل إقليمي ودور مؤثر في معادلات المنطقة، تدرك أهمية الحفاظ على علاقات مستقرة ومتوازنة مع الجنوب، كما تدرك أن بناء الشراكات المستدامة لا يتحقق من خلال إدارة التباينات بمنطق الضغوط، وإنما عبر احترام الخصوصية السياسية لكل طرف، والإقرار بأن الاستقرار الحقيقي يقوم على القبول والثقة والمصالح المتبادلة. والجنوب، بما يمتلكه من قضية وطنية وإرادة سياسية وتطلعات مشروعة، لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد ملف تابع لترتيبات إقليمية، بل طرفاً له اعتباره ومكانته ومصالحه التي ينبغي أخذها في الحسبان.
وفي ظل التحولات السياسية والأمنية التي تشهدها المنطقة، وما تفرضه من تحديات تتصل بأمن البحر الأحمر وباب المندب ومواجهة التهديدات العابرة للحدود، تصبح الحاجة إلى تعزيز الثقة والتفاهم بين المملكة والجنوب أكثر إلحاحاً. فليس من الحكمة أن تظل قضية الوفد مصدراً للتوتر وسوء الفهم، في وقت تتطلب فيه المصالح المشتركة تنسيقاً سياسياً وأمنياً أكثر فاعلية. كما أن معالجة هذا الملف بصورة إيجابية من شأنها أن تبعث برسالة مهمة مفادها أن الخلافات، مهما بلغت حدتها، لا ينبغي أن تتحول إلى عوائق أمام العلاقات الاستراتيجية أو أن تنتقص من الحقوق السياسية والإنسانية للأطراف المعنية.
إن المطالبة بعودة الوفد لا تعني إغلاق أبواب الحوار، ولا التنصل من أي تفاهمات أو مساع سياسية، كما أنها لا تمثل موقفاً عدائياً تجاه المملكة أو دورها الإقليمي. بل على العكس، إنها دعوة إلى تصحيح مسار أصبح استمرار غموضه مكلفاً سياسياً ومعنوياً، فلابد من الفصل بين حق الوفد في العودة وبين أي خلافات أو ترتيبات سياسية لا تزال موضع نقاش. فالحوار الحقيقي لا يفقد قيمته بعودة المشاركين إلى أوطانهم، ولا تقاس فرص نجاحه ببقاء أطرافه في مكان واحد، وإنما بمدى توافر الإرادة والضمانات والاحترام المتبادل.
وعليه، فإن المطلوب اليوم هو اتخاذ موقف واضح ينهي حالة الالتباس المحيطة بالوفد، ويضمن عودته الآمنة والطوعية إلى العاصمة عدن، مع توضيح أي اعتبارات قانونية أو إجرائية قد تكون قائمة، بعيداً عن الغموض والتأويلات. كما أن من الضروري أن تدار أي خلافات سياسية لاحقة من خلال قنوات مؤسسية واضحة، وبما يحفظ كرامة جميع الأطراف ويصون فرص التفاهم والشراكة.
في المحصلة، لم تعد عودة الوفد الجنوبي من الرياض مسألة قابلة للتأجيل أو مجرد مطلب تطرحه بعض الأوساط السياسية، بل أصبحت ضرورة سياسية ووطنية تفرضها اعتبارات الثقة والمصداقية واستعادة التوازن في العلاقات. فالمملكة والجنوب بحاجة إلى علاقة تقوم على التفاهم لا الإكراه، وعلى الشراكة لا الوصاية، وعلى احترام الإرادة السياسية لا محاولة تجاوزها. وتبقى المعالجة الحكيمة لهذا الملف فرصة لإعادة بناء الثقة وتجنب مزيد من التباعد، وترسيخ قناعة مفادها أن قوة العلاقات الاستراتيجية لا تظهر في أوقات التوافق وحدها، بل تتجلى بصورة أكبر في القدرة على إدارة الخلافات بما يحفظ كرامة الشركاء ومصالحهم وحقوقهم.