
كتب/ناصر العبيدي
تكمن قوة إيران في فهمها العميق للسياسة وإجادتها إدارة الصراعات طويلة الأمد. فهي لا تستعجل النتائج ولا تراهن على المال وحده، بل تعتمد على الصبر الاستراتيجي، وبناء النفوذ، واستغلال تناقضات خصومها. وهنا الفارق بين من يرى السياسة صفقات تُحسم بالمال، ومن يديرها كمعركة نفوذ ومصالح بعيدة المدى.
فالخطر الحقيقي لا يكمن في قدراتها العسكرية فحسب، بل في شبكة النفوذ التي بنتها عبر حلفائها ووكلائها وقدرتها على توظيف الانقسامات الداخلية لخدمة مشروعها.
وفي اليمن، لا يمكن النظر لتمدد الحوثيين كأزمة محلية معزولة، فتعزيز نفوذهم المرتبط بطهران يمنحها أوراق ضغط استراتيجية تهدد أمن السعودية والخليج والممرات البحرية. وإذا استمر هذا المسار، ستجد المنطقة والقوى الدولية نفسها أمام واقع تُفرض فيه التنازلات بمنطق القوة لا التفاهم.
والأخطر هو تخادم بعض القوى التي رفعت شعار الدين للوصول إلى السلطة وتكديس الثروة، فقدمت مصالحها الحزبية الضيقة على مصلحة الدولة، وأضعفت مجتمعاتها وفتحت الباب أمام مشاريع النفوذ الخارجي.
إن الرهان على المال لشراء الأمن رهان قاصر إن لم يستند إلى رؤية موحدة ومؤسسات قوية وتماسك داخلي. فالمال يشتري صفقة، لكنه لا يشتري ولاءً دائماً ولا يصنع نفوذاً مستداماً.
الخلاصة: الدول لا تفقد مكانتها دفعة واحدة، بل حين تتراكم الأخطاء وتغيب الرؤية ويُترك الفراغ ليملأه الخصوم. فالنفوذ لا يُقاس بالمال، بل بوضوح الرؤية ووحدة القرار وطول النفس.
ولذا، فالسؤال ليس كم نملك من المال؟ بل من يملك زمام المبادرة، ومن يقرأ المستقبل قبل أن يصبح واقعاً يصعب تغييره.