
كلما حلت ذكرى الرابع عشر من أكتوبر، عاد الجنوب إلى واحدة من أكثر محطات تاريخه حضوراً وتأثيراً؛ إلى اليوم الذي أشعل فيه أبناء ردفان شرارة التحرر، فامتدت الثورة في مختلف أرجاء الجنوب، وصولاً إلى الاستقلال في 30 نوفمبر 1967م.
لكن أكتوبر بالنسبة للجنوبيين ليست مجرد ذكرى لثورة مضت، ولا مناسبة تُستعاد فيها أسماء الشهداء كل عام، بل هي جذوة تحرر وهوية وطنية وإرث تاريخي انتقل من جيل إلى جيل، وظل حاضراً كلما تعرض الجنوب لمحاولة طمس هويته أو مصادرة قراره.
لقد ترك جيل أكتوبر للأجيال درساً لا يزال صالحاً حتى اليوم: أن الوطن يستحق التضحية، وأن الحرية لا تُمنح، وأن الشعوب التي تتمسك بأرضها وهويتها قادرة على استعادة حقها مهما طال الزمن.
الجنوب.. دولة خرجت من الثورة
لم تنتهِ ثورة أكتوبر بانسحاب المستعمر، بل انتقلت من مرحلة التحرير إلى مرحلة بناء الدولة.
وبعد الاستقلال، امتلك الجنوب مؤسساته ودولته وقراره السياسي، وبنى تجربة مدنية ومؤسساتية جعلت من الدولة إطاراً منظماً للحياة السياسية والعسكرية والإدارية.
وعندما دخل الجنوب في مشروع ما يسمى الوحدة اليمنية عام 1990، لم يدخلها بوصفه كياناً بلا تاريخ أو دولة بلا مؤسسات، بل دخلها كدولة قائمة بذاتها، ذات مؤسسات وقرار وهوية وتجربة سياسية وإدارية مستقلة، مؤمناً بأن الشراكة يمكن أن تصنع مستقبلاً جديداً لشعبين.
لكن ما حدث لاحقاً كشف أن تلك الشراكة لم تكن تسير نحو الهدف الذي دخلها الجنوبيون من أجله.
الغدر بالوحدة.. والعودة إلى مشروع الاحتلال
بدلاً من أن تتحول الوحدة إلى شراكة حقيقية بين طرفين متكافئين، جرى الانقلاب على جوهرها، وتحولت في حرب 1994 إلى مشروع للسيطرة على الجنوب وإخضاعه بالقوة.
كان الجنوب، الذي دخل الوحدة بعقلية الدولة والمؤسسات، أمام منظومة سياسية مختلفة ومتخلّفة، تشكلت فيها القبيلة وموازين القوى والنفوذ جزءاً مؤثراً في إدارة الدولة والقرار السياسي.
ولم يكن ما حدث مجرد خلاف بين شريكين اختلفا على تفاصيل مشروع مشترك؛ بل كان، في الوعي الجنوبي، غدراً بشراكة الوحدة وانقلاباً على أسسها، انتهى باجتياح الجنوب وفرض السيطرة عليه بالقوة العسكرية.
وفي تلك اللحظة، لم يكن الجنوب أمام “هزيمة” أنهت قضيته، بل أمام فصل جديد من فصول نضاله.
فالجنوب الذي انتزع استقلاله الأول من قوة استعمارية، وجد نفسه مجدداً أمام واقع فرض عليه بالقوة، بعد أن تحولت الوحدة التي قامت على الشراكة إلى وسيلة للسيطرة والنهب والسلب والدمار.
خيانة لم تكن جنوبية
ولم يكن المشهد مجرد مواجهة جنوبية شمالية بمعزل عن الخارج؛ فقد وقفت دول وقوى إقليمية إلى جانب نظام المخلوع الهالك علي عفاش ، وقدمت له أشكالاً مختلفة من الدعم والمساندة في مواجهة الجنوب انا ذاك .
وهكذا وجد الجنوبيون أنفسهم أمام تحالف سياسي وعسكري أوسع من مجرد طرفي الوحدة، في معركة فُرضت عليهم بعد الانقلاب على الشراكة.
ولذلك فإن استحضار أحداث 1994 في الذاكرة الجنوبية لا يأتي باعتبارها صفحة عسكرية خسر فيها الجنوب وانتهى الأمر، وإنما باعتبارها صفحة غدر وانقلاب واحتلال أعادت قضية الجنوب إلى واجهة التاريخ.
فالجنوب لم يتخلَّ عن وطنه، ولم يتنازل عن هويته، ولم تسقط قضيته بانتهاء المعارك.
بل بدأت مرحلة أخرى من النضال.
احتلال تغيّر شكله.. ولم تنتهِ آثاره
فرضت السيطرة العسكرية واقعاً جديداً على الجنوب، ثم تطورت أشكال الهيمنة مع مرور السنوات.
واليوم، ورغم تغير المشهد العسكري والسياسي وتراجع الكثير من مظاهر السيطرة العسكرية المباشرة على أرض الجنوب بعد تحرريها في العام 2015م، فإن الجنوب لا يزال يرى أن قراره السياسي وثرواته وموارده لم تتحرر بصورة كاملة من منظومة النفوذ الشمالية التي فُرضت عليه منذ حرب 1994.وحتى اليوم.
وهنا تتجدد أهمية أكتوبر.
فالثورة التي قامت أصلاً على رفض الوصاية والسيطرة الأجنبية، تقدم للأجيال الجنوبية اليوم درساً واضحاً: لا قيمة للاستقلال إذا لم يكن القرار بيد أبناء الوطن، ولا معنى للسيادة إذا كانت ثروات الأرض وقرارها السياسي خارج إرادة أهلها.
ولهذا فإن قضية الجنوب لم تبدأ بعد حرب 1994، كما أنها لا تختزل في نتائج تلك الحرب، وإنما هي امتداد لتاريخ طويل من النضال من أجل أن يكون الجنوب صاحب الأرض والقرار والمصير.
دماء الأمس ترسم طريق اليوم
لقد دفع أبناء الجنوب ثمناً باهظاً في طريق التحرر.
آلاف الشهداء ارتقوا، وآلاف الجرحى حملوا آثار المعارك، وعشرات الآلاف مروا بتجارب الأسر والملاحقة والمعاناة، وكل ذلك لأن جيلاً بعد جيل آمن بأن الوطن يستحق التضحية.
وهذه التضحيات ليست ملكاً للماضي.
إنها أمانة في أعناق الأحياء.
ومن هنا فإن إحياء ذكرى أكتوبر لا ينبغي أن يتوقف عند الاحتفالات واستعادة الصور والشعارات، بل يجب أن يتحول إلى وعي سياسي ووطني لدى الأجيال الجديدة، يعرفون من خلاله لماذا ثار أجدادهم، ولماذا ضحوا، ولماذا ظل الجنوب متمسكاً بهويته وقضيته رغم كل محاولات طمسها.
الاستقلال الثاني.. امتداد لجذوة أكتوبر
إن الحديث عن الاستقلال الثاني في الوعي الجنوبي لا يمثل قطيعة مع الماضي، بل هو امتداد طبيعي لجذوة التحرر التي أشعلها شهداء أكتوبر.
فالشعب الذي انتزع استقلاله الأول بعد سنوات طويلة من النضال، ثم تعرض لاحقاً للغدر بشراكته وفرضت عليه السيطرة بالقوة، لا يمكن أن يتعامل مع حقه في الحرية والسيادة باعتباره صفحة انتهت.
ولهذا فإن المرحلة الراهنة تحتاج إلى استحضار روح أكتوبر بكل ما تحمله من ثبات وتضحية ووحدة صف.
فالذين أشعلوا الثورة من ردفان لم يكونوا يبحثون عن مكاسب شخصية، وإنما كانوا يدافعون عن وطن.
والذين ساروا خلفهم حتى تحقق الاستقلال، كانوا يعرفون أن الطريق لن يكون سهلاً، وأن الوطن قد يطلب منهم كل شيء.
واليوم، فإن الوفاء لذلك الإرث يقتضي من أبناء الجنوب أن يكونوا صفاً واحداً، وأن يحافظوا على هويتهم، وأن يصونوا قضيتهم، وألا يسمحوا للخلافات بأن تتحول إلى بوابة جديدة لتمزيق الصف الجنوبي.
أكتوبر.. الضوء الذي لم ينطفئ
ستبقى 14 أكتوبر أكثر من تاريخ في التقويم.
ستبقى شاهدة على شعب عرف طريقه إلى الحرية، ودفع ثمنها من دم أبنائه، وبنى دولته، ثم واجه بعد ذلك محاولة اقتلاع هويته وفرض السيطرة على أرضه.
لكن جذوة التحرر لم تنطفئ.
فالشرارة التي انطلقت من ردفان عام 1963م، والتي أضاءت طريق الاستقلال الأول، لا تزال حاضرة في وجدان الأجيال الجنوبية.
ومن واجب أبناء الجنوب اليوم أن يحافظوا على ذلك النور، وأن يتعلموا من أجدادهم معنى التمسك بالوطن، وأن يدركوا أن وحدة الصف هي السلاح الأقوى في مواجهة مشاريع التفتيت والوصاية.
لقد أضاء شهداء الأمس الطريق بدمائهم، وحان دور الأحياء أن يحافظوا على ذلك الطريق.
فالوطن يهون له كل غالٍ ونفيس، والحرية تستحق التضحية، والاستقلال الذي انتزعه الأجداد بالأمس، سيظل حقاً لا تنطفئ جذوته حتى يستعيد الجنوب قراره وسيادته ومستقبله ودولته.