الراية والتاريخ .. كيف أثبت جبل كهبوب جوهر الصراع في اليمن؟

الراية والتاريخ .. كيف أثبت جبل كهبوب جوهر الصراع في اليمن؟

الراية والتاريخ .. كيف أثبت جبل كهبوب جوهر الصراع في اليمن؟
2026-09-22 18:25:15
صوت المقاومة الجنوبية/ خاص

 

كتب| د.علي حسن الخريشي.

تستقر الحقيقة الجيوسياسية والعسكرية في أحيان كثيرة فوق قمم الجبال المرتفعة؛ حيث اوضح رفع علم الجنوب فوق أعلى نقطة في جبل "كهبوب" الاستراتيجي المشرف على باب المندب، معلماً واضحاً لطبيعة الصراع القائم. إن انتصار القوات المسلحة الجنوبية في تلك الجبهة وتثبيت الراية الجنوبية لم يكن مجرد حدث ميداني ضمن تكتيكات الكر والفر، بل كان إشهاراً بصرياً وسياسياً يُعيد تعريف الحرب إلى جوهرها الحقيقي: نزاع بين هويتين ومشروعين سياسيين ودولتين يمتد جذره إلى ما قبل وحدة العام 1990م.
إن السبب الجوهري الذي جعل الجنوبيين يحققون انتصارات حاسمة ويثبتون أقدامهم في كافة الجبهات الجنوبية—من باب المندب وكهبوب إلى الضالع وشبوة ويافع ، ولحج  وحضرموت—يكمن في المحددات السياسية والقومية للمعركة .
فالحرب بالنسبة للمقاتل الجنوبي، لا تُخاض بصفتها نزاعاً فرعياً على السلطة أو اقتتالاً مذهبياً بين طوائف، بل تُخاض بصفتها حرباً وطنية دفاعية لحماية الأرض والهوية ودحر العدوان. هذا البعد القومي الوطني يمنح القوات الجنوبية عقيدة قتالية صلبة وحاضنة شعبية مطلقة؛ إذ أصبحت الراية الجنوبية رمزاً للكرامة والاستقلال ومؤشراً على استعادة الدولة السابقة التي جرى تجريف مؤسساتها بعد حرب صيف 1994م.
في المقابل، تتجلى إشكالية المواجهة في القوى المحسوبة على الشمال عند مقارعة المليشيات الحوثية. فالنظرة السائدة هناك—حتى لدى أطراف تبدو  مناهضة للحوثي—لكنها تتعامل مع المشهد باعتباره صراعاً داخلياً على السلطة وتنازعاً بين قوى نفوذ تقليدية (قبيلة، حزب، أو جماعة دين).
هذه الضبابية في الرؤية أدت إلى غياب المبادرة العسكرية وإضعاف الدافع القتالي،  وحين تغيب العقيدة الوطنية الجامعة والمشروع السياسي الواضح، يحل محلها الحسابات الحزبية الميدانية والانتظار وتكتيك "إدارة الصراع" بدلاً من حسمه، مما مكن المليشيات الحوثية من التمدد وفرض هيمنتها الميدانية والسكانية في المحافظات الشمالية.
تتجلى حالة الفرز هذه أيضاً في الموقف الفقهي والاجتماعي للشمال؛ حيث نأت قطاعات واسعة من القوى الحية بنفسها عن المواجهة الحازمة. برز ذلك بوضوح في مواقف عدد من مشايخ وقادة الجماعات السلفية في الشمال، والذين وقعوا معاهدات واتفاقات سلم وتعايش مع الجماعة الحوثية (كما حدث في اتفاقات صعدة وذمار ومعبر وغيرها).
استندت تلك المواقف والفتاوى، التي تصدرها شيوخ بارزون كالشيخ  محمد الإمام، إلى اعتبار النزاع "فتنة داخلية واقتتالاً بين مسلمين" ينبغي اعتزاله وتجنب الانخراط فيه. هذا التكييف الفقهي والاجتماعي عكس قناعة ضمنية بأن الصراع لا يهدد الهوية الكلية للجمهورية العربية اليمنية،  بقدر ما هو إعادة تشكيل لموازين القوى الداخلية، مما أدى إلى تحييد وتجميد طاقات بشرية كبيرة كان يمكن لها أن تحدث فارقاً عسكرياً..
كما يظهر ذلك ايضا جليا على صعيد التنسيق العسكري الميداني،حيث  أثبتت التجربة المشتركة في الجبهات التماس أن غياب الهدف السياسي الموحد بين القوات الجنوبية والقوات المحسوبة على الشرعية في الشمال يخلق بيئة من عدم الثقة.
ففي الوقت الذي تقاتل فيه القوات الجنوبية بهدف تثبيت حدود أرضها ومنع التمدد الحوثي، تتداخل لدى بعض الأطراف الحزبية والعسكرية الشمالية أهداف ومصالح متناقضة، وصلت في أحيان كثيرة إلى التنسيق غير المباشر، أو الانسحابات المفاجئة، أو التسليم للمليشيات دون مقاومة لغرض الاستنزاف الممنهج للقوات الجنوبية المحاذية للجبهات. إن هذه الممارسات لم تكن مجرد أخطاء ميدانية، بل نتاج طبيعي لاختلاف الغايات السياسية، والايدلوجية  بين دولتين مختلفتين،وشعبين مختلفين.
كل هذه الدلائل والشواهد والمواقف الميدانية تأكد حقيقة رئيسية: أن الحرب القائمة ليست مجرد صراع طارئ بدأ في عام 2015م، بل هي امتداد وتفجُر للانقسام التاريخي بين كيانين وسيادتين؛ الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
إن رفع علم الجنوب فوق جبل كهبوب لم يكن مجرد رفع لقماش ملون، بل كان إعلاناً صريحاً بأن المنطقة قبالة جغرافية وسياسية تعود إلى أصلها المتجذر، وأن النصر الميداني يتبع دائماً وضوح العقيدة الوطنية وصدق مشروع الأرض والهوية.8