
تتفاقم أزمة الغاز المنزلي في العاصمة عدن ومحافظة لحج وباقي المحافظات الجنوبية ، وسط معاناة متصاعدة يعيشها المواطنون يومياً للحصول على أسطوانة غاز، بالتزامن مع ارتفاع أسعار المشتقات النفطية وما ترتب عليه من أزمة مواصلات أثقلت كاهل الأسر ووسّعت دائرة السخط الشعبي.
ولم تعد الأزمة مجرد نقص مؤقت في مادة أساسية، بل تحولت إلى معاناة يومية تضرب تفاصيل حياة المواطنين، في ظل غياب المعالجات الحكومية العاجلة، واستمرار حالة الغموض بشأن أسباب نقص الكميات وآلية توزيعها.
عدن.. طوابير تبدأ مع الفجر
منذ ساعات الصباح الأولى، تتشكل طوابير طويلة أمام محطات ووكلاء بيع الغاز في مديريات العاصمة عدن، حيث يقضي المواطنون ساعات في انتظار الحصول على أسطوانة، دون ضمان أن يعودوا بها إلى منازلهم.
ويقول مواطنون إنهم يضطرون إلى الخروج قبل شروق الشمس والانتظار لساعات طويلة، فيما يلجأ البعض إلى السوق السوداء بعد فشلهم في الحصول على الغاز عبر القنوات الرسمية، بأسعار تفوق قدرة الأسر محدودة الدخل.
وتتجاوز تداعيات الأزمة المنازل إلى المطاعم والمخابز والمنشآت الصغيرة التي تعتمد على الغاز في أعمالها، بينما تضطر بعض الأسر إلى البحث عن بدائل بدائية للطهي، في مشهد يعكس حجم التراجع في مستوى الخدمات الأساسية.
المشكلة، وفق الأهالي، لم تعد مرتبطة بيوم أو أسبوع، وإنما أصبحت أزمة متكررة تتجدد كلما حدث اضطراب في عملية الإمداد أو التوزيع، دون حلول جذرية تمنع تكرارها في ضل سلطات امر الواقع المدعومة سعودياً والتي تشكلت بعد احداث حضرموت بعد قصف القوات الجنوبية وملاحقة قيادات الانتقالي الجنوبي الذي كان يشهد في عهده الامن والأمان وتوفير الخدمات ومنها الغاز التي اصبح المواطن الجنوبي اليوم يعاني اياماً طويله حتى يتحصل على أنبوبه غاز واحدة.
لحج.. أزمة تتسع خارج العاصمة
وفي محافظة لحج، تبدو الصورة أكثر صعوبة في عدد من المديريات، خصوصاً الحوطة وتبن وطور الباحة، حيث يشكو الأهالي من شح الغاز وارتفاع أسعاره في السوق غير الرسمية.
ومع ارتفاع تكاليف النقل وأزمة المشتقات النفطية، أصبح الحصول على أسطوانة الغاز من عدن ونقلها إلى مناطق لحج عبئاً إضافياً على المواطن، الذي يجد نفسه أمام تكلفة متزايدة لمادة أساسية لا يستطيع الاستغناء عنها.
ويؤكد الأهالي أن المشكلة لا تكمن فقط في ارتفاع السعر، وإنما في صعوبة الحصول على الغاز أصلاً، وهو ما يفتح المجال أمام السوق السوداء ويمنح تجار الأزمات فرصة لاستغلال حاجة الناس.
أزمة الوقود تضاعف المعاناة
وبالتوازي مع أزمة الغاز، انعكس ارتفاع أسعار البترول والديزل بصورة مباشرة على حركة النقل داخل عدن وبينها وبين المحافظات المجاورة.
فقد ارتفعت أجور المواصلات، وأصبح الموظفون والطلاب وأصحاب الدخل المحدود أمام تكاليف يومية متزايدة للوصول إلى أعمالهم ومدارسهم ومصالحهم.
ويقول سائقون إن ارتفاع أسعار الوقود ونقصه في بعض المحطات يدفعهم إلى شراء كميات من السوق الموازية بأسعار أعلى، الأمر الذي ينعكس تلقائياً على تعرفة النقل.
وهكذا وجد المواطن نفسه محاصراً بين أزمتين متزامنتين: غاز لا يستطيع الوصول إليه بسهولة، ووقود ترتفع تكلفته يوماً بعد آخر.
غياب التوضيح يفتح الباب أمام السوق السوداء
في مقابل اتساع الأزمة، يبرز غياب المعلومات الرسمية الواضحة بشأن حجم الكميات الداخلة إلى عدن ولحج وباقي محافظات الجنوب ايضاً، وآلية توزيعها، وأسباب الاختناقات المتكررة.
فالمواطن لا يحتاج فقط إلى توفر المادة، بل يحتاج أيضاً إلى معرفة أين تذهب الكميات، ومن المسؤول عن توزيعها، ولماذا تتكرر الأزمة دون حلول مستدامة.
إن استمرار الصمت الرسمي في مثل هذه الظروف لا يؤدي إلا إلى زيادة الشكوك، ويمنح السوق السوداء مساحة أكبر للتحكم في مادة تمس حياة كل أسرة تقريباً.
كما أن أي خلل في منظومة التوزيع أو الرقابة يجب أن يخضع للمراجعة والمحاسبة، لأن معاناة المواطن ليست مجالاً للمساومة أو تركها رهينة للفوضى.
الحاجة إلى معالجة لا إلى حلول مؤقتة
المشكلة الأساسية لم تعد في معالجة طابور هنا أو توفير شحنة هناك، وإنما في بناء منظومة مستقرة تضمن وصول الغاز والوقود إلى المواطنين بصورة منتظمة وعادلة، وتمنع احتكار السوق أو التلاعب بالكميات.
ومن الضروري أن تتحمل سلطات امر الواقع المدعومة سعودياً مسؤولياتها بصورة مباشرة، وأن تعلن للرأي العام حقيقة الوضع، والكميات المتوفرة، وخطة التوزيع، والإجراءات المتخذة لضبط الأسعار ومنع استغلال حاجة المواطنين.
كما أن البحث عن بدائل أكثر استقراراً في مصادر الإمداد، وتفعيل دور ميناء عدن والمنشآت الجنوبية، يجب أن يكون جزءاً من معالجة استراتيجية تنهي حالة الارتهان لأي مسار إمداد واحد، وتضمن للجنوب احتياجاته الأساسية بصورة مستقرة.
المواطن لا يحتمل مزيداً من الانتظار
أزمة الغاز في عدن ولحج ومحافظات الجنوب الأخرى لم تعد مجرد طوابير أمام محطات البيع، كما أن أزمة الوقود لم تعد مجرد ارتفاع في أجرة المواصلات؛ فخلف كل طابور أسرة تنتظر، وخلف كل ارتفاع في الأسعار مواطن يقتطع من قوت يومه، وخلف كل يوم من الصمت الرسمي تتسع مساحة الغضب.
المطلوب اليوم ليس تبريراً جديداً للأزمة، ولا حلولاً مؤقتة تنتهي بانتهاء الشحنة، بل قرار واضح يعيد تنظيم منظومة الغاز والوقود، ويضع حداً للفوضى والسوق السوداء، ويضمن وصول احتياجات المواطنين إلى مستحقيها.
فالمواطن الذي يقف منذ الفجر بحثاً عن أسطوانة غاز لا يطلب امتيازاً، ومن يدفع أضعاف دخله في المواصلات لا يطلب رفاهية؛ إنما يطالب بأبسط حقوقه في الحياة.
وحين تصبح أسطوانة الغاز رحلة يوم كامل، ويصبح الوصول إلى العمل عبئاً يومياً، فإن الأزمة لم تعد أزمة مادة أو سعر، بل أصبحت أزمة إدارة وثقة.
والشارع لا يحتاج إلى من يطالبه بالصبر أكثر، بقدر ما يحتاج إلى من يتحمل المسؤولية ويقدم حلاً.وهي رسالة من كل مواطن جنوبي الى سلطات امر الواقع المدعومة سعوديا،ان تقوم بأدنى مسؤلياتها في تلبية الاحتياجات الأساسية.