إرادة شعب الجنوب اليوم: لغة تصعيدية مزلزلة ورسائل سياسية واضحة

إرادة شعب الجنوب اليوم: لغة تصعيدية مزلزلة ورسائل سياسية واضحة

إرادة شعب الجنوب اليوم: لغة تصعيدية مزلزلة ورسائل سياسية واضحة
2026-07-16 18:49:51
صوت المقاومة الجنوبية/ خاص

 

كتب| د. أمين العلياني

في مشهدٍ يختزل فصول الملاحم، ويستعيد من ذاكرة التاريخ أصدق تجليات البطولة الجماعية، انطلقت اليوم جماهير شعبنا الجنوبي العربي في كافة محافظاته، لا كحشودٍ عابرةٍ تبحث عن لحظة غضب، بل كسيولٍ جارفةٍ حاملةٍ في أعماقها زبدَ المعاناة وصلابةَ الموقف، لتُعلن ميلاد مرحلةٍ جديدةٍ من النضال السلمي المقاوم، مرحلةٍ عنوانها البرنامج التصعيدي الذي تبنّاه المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، بوصفه خارطةَ طريقٍ نحو استعادة الحق المسلوب، وفكِّ الارتهان عن الإرادة الشعبية التي طالما حاولت قوى الوصاية تكبيلها بأغلال التسويات العبثية، تلك التسويات التي تحاول، في الغرف المغلقة، تجاوز إرادة شعبنا ومشروعه التحرري، وكأنه لا يمتلك قيادةً سياسيةً مفوضة.

لقد خرج الجنوب اليوم عن بكرة أبيه، لا ليُدلي برأيٍ أو يُطلق شكوى، بل ليُزلزل الأرض تحت أقدام أولئك الذين ظنوا أن رياح السياسة يمكن أن تُطفئ جمرةَ قضية شعب توارثها الأحفاد عن الأجداد، قضيةً لا تُختزل في بياناتٍ دبلوماسية، ولا تُطمر تحت ركام المصالح الإقليمية الضيقة.

إن هذه الهبّة الجماهيرية العارمة، التي اكتست بأدبيات المجلس الانتقالي وخطابه التحرري، لم تكن سوى ترجمةٍ صارخةٍ للغة التصعيد المدوّية، تلك اللغة التي لا تعرف المواربة ولا تُحسن التلون، بل تصدع بالحقيقة عاريةً جليةً في وجه الوصاية السعودية المفروضة، تلك الوصاية التي تسعى، بكل ما أوتيت من أدوات الضغط والاحتواء، إلى إعادة تشكيل الواقع الجنوبي وفق تصوراتٍ تتجاوز إرادة الشعب ومشروعه الوطني التحرري، متوهمةً أنها بقدرتها على إقصاء القيادة المفوضة بإجماعٍ شعبيٍّ منقطع النظير، ممثلةً في المجلس الانتقالي الجنوبي ورئيسه عيدروس الزبيدي، تستطيع أن تخلق واقعًا بديلًا ينسجم مع تسويةٍ سياسيةٍ هزيلةٍ تهدف إلى تصفية قضية شعب الجنوب في أروقة الغرف المغلقة، بعيدًا عن إدارة الشعب التي سطّرت بتضحياتها ودماء الشهداء وثيقةَ الخلود الوطني.

وقد جاء برنامج التصعيد المنطلق من أدبيات المجلس الانتقالي لتعبر عنه إرادة شعبية خرجت لتفضح، اليوم، في كل محافظات الجنوب، وبزخمها البشري الهائل، كل تلك الممارسات العبثية التي طالت رموز قضيته وقيادته، ولتدين بقوةٍ المحاولات المكشوفة لتفكيك قواته المسلحة الباسلة، تلك المؤسسة التي تشكل درع الجنوب وسيفه، عبر تجريدها من عقيدتها وولائها الوطني الخالص، وتحويلها إلى كيانات منزوعة عن الولاء والعقيدة الوطنية الجنوبية كي تفقد بوصلتها في خضم الصراعات المخطط لها وفق مصالح الإقليم لا الشعب، ومحاولة الزج بها في أتون حروبٍ لا تحقق إلا أهدافًا إقليمية غير وطنية.

ولم تقف الرسائل الشعبية عند حدود رفض تفكيك الجيش فحسب، بل امتدت لتكشف عن وجهٍ آخر من وجوه المؤامرة، متمثلٍ في محاولات تمزيق الهوية الوطنية الجنوبية الجامعة، من خلال سياسة تفريخ المكونات الكرتونية، وإنشاء الكيانات الوهمية، والفئات المجتمعية، والمجالس التنسيقية، التي تراهن عليها قوى الوصاية السعودية لتزوير الإجماع الوطني، وتقديم بدائل هلامية لا تملك من الشرعية إلا بقدر ما تُمنح من دعمٍ خارجي، في محاولةٍ يائسةٍ لخلق انزياحٍ مصطنعٍ في المشهد السياسي الجنوبي، وإيهام العالم بأن ثمة أصواتًا جنوبيةً أخرى قادرة على تمرير التسويات على مقاس المصالح الضيقة. بيد أن هدير إرادة شعب الجنوب اليوم أكّد أن الجنوب لا يُختزل في تلك الكيانات الوهمية، وأن شرعيته الوحيدة تنبثق من إجماعٍ وطنيٍّ لا يقبل القسمة، إجماعٍ صاغته التضحيات الجسام، وهذّبته المعاناة الطويلة، وتمثل في كيان سياسي شعبي مثله المجلس الانتقالي ليكون سيفًا مسلطًا على رقاب كل من تسوّل له نفسه المساس بالثوابت الوطنية، أو الالتفاف على المشروع التحرري.

وانطلاقًا من هذا الزخم الثوري، أعلنت إرادة شعبنا بدايات برنامجها التصعيدي كخيارٍ نضاليٍّ سلميٍّ لا رجعة فيه، مقاومةً بذلك الوصايةَ المفروضة عليها من جهة، وقوى الاحتلال اليمني بشقّيه الحوثي و"الشرعية" الغارقة في الفساد والقاطنة في أرض الشتات من جهة أخرى، لترفع صوتها عاليًا مدويًا في ساحات الكرامة: لا تسوية سياسية على الإطلاق، ولا تعريفًا مخففًا لقضية شعبنا، ولا حلّ يُفرض من خارج إطار الإرادة الشعبية التوّاقة إلى استعادة دولة الجنوب كاملة السيادة، الدولة التي تمثلها إرادة الشعب بكيانه السياسي المتمثل في المجلس الانتقالي وقيادته المنتخبة بتفويضٍ شعبيٍّ لا تشوبه شائبة، باعتباره الإطار الوطني الجامع والمعبّر الشرعي والوحيد عن تطلعات شعبٍ أبى إلا أن يكون سيدًا حرًا في أرضه. وفي خضم هذا المشهد المهيب، أدانت الحشود المليونية كل ممارسات العنف التي شهدتها مدن الجنوب ومحافظاته، واستنكرت بأعلى الأصوات حملات الاعتقال السياسي التي طالت النشطاء الإعلاميين والسياسيين الجنوبيين المؤمنين بمشروعهم التحرري، والذين لم يجنوا سوى أنهم رفعوا راية الحق وأعلنوا تمسكهم بخيار شعبهم في الحرية والاستقلال، فقوبلوا بالاعتقال وتكميم الأفواه، وتقييد الحريات، وإرهاب التوجهات التحررية، في مشهدٍ يتنافى مع أبسط مبادئ حقوق الإنسان التي طالما تغنّت بها مواثيق الحقوق والحريات في أدبيات الأمم المتحدة.

ومن الرسائل التي أراد شعب الجنوب إيصالها اليوم، وهو يحفر بداية مساره التصعيدي في صخر الواقع المرير، تتجسد في رفضه القاطع لكل محاولات إدخاله في حربٍ خدميةٍ معيشيةٍ مسيسة، يُراد منها كسر إرادته، والنيل من عزائم أبنائه، واختبار صلابة موقفه من قيادته ومجلسه وقواته المسلحة. لكن هيهات، ثم هيهات، أن تنال تلك المحاولات من شعبٍ حوّل المعاناة إلى طاقةٍ نضالية، وصاغ من التهميش وجودًا فاعلًا، ومن الإقصاء حضورًا طاغيًا في كل ميادين النضال، ليبقى السؤال المزلزل الذي يتردد صداه في أركان الإقليم: هل ستدرك قوى الوصاية والاحتلال أن شعبًا كشعب الجنوب لا يُقهر، وأن إرادته حين تنطلق لا يعترضها سدّ، ولا تروضها عاصفة؟ إن فصول الرد قد بدأت تُكتب اليوم بحبر إرادة الشعب، وستظل كلمتها العليا هي الفصل الختامي في ملحمة الحرية، ولن تهدأ إلا باستعادة دولة الجنوب العربي كاملة السيادة.