
كتب| د. أمين العلياني
في خِضَمِّ التحولات الجيوسياسية التي تعصف بالجنوب العربي، وفي ظل صمت دولي مطبق يلفه ضباب المصالح وضجيج المواقف الملتبسة، تبرُز سياسة الرياض في الجنوب العربي كواحدة من أعقد المعضلات الاستراتيجية التي واجهتها المنطقة في تاريخها المعاصر؛ إنها سياسة لا تُختزَل في الشعارات الدبلوماسية البرّاقة التي تُسوَّق في أروقة العواصم الأوروبية، ولا يمكن فهمها بمعزل عن هندسة معقدة وممنهجة تقوم على ثنائية "العصا والجزرة" التي يكشف النقاب عنها تقرير "استراتيجية السعودية في اليمن: عصا للجنوبيين وجزرة لأوروبا" المنشور في مجلة مودرن دبلوماسي، والذي وإن انطلق من منظور حقوقي قانوني أوروبي صارم، إلا أنه يقدم - برغم تحفظاته الضمنية على المشروع الجنوبي - شهادة دامغة تُثبت للعالم ما ظل الجنوبيون يصرخون به في وادٍ موحش من التعتيم والتجاهل: أن ثمة مؤامرة كبرى تُحاك ضد إرادتهم، وأن ثمة مشروعًا استعماريًّا جديدًا يُطبخ على نار هادئة في مطابخ القرار السعودي، يُراد منه طمس الهوية السياسية للجنوب وإفراغ قضيته من مضمونها التحرري، وتحويلها إلى مجرد ورقة تفاوضية في لعبة أمم كبرى لا تعترف بحق الشعوب في تقرير مصيرها إلا إذا تماهى ذلك مع مصالحها الاستراتيجية الضيقة.
إن أخطر ما يوثقه هذا التقرير - الذي لا يُتهم صاحبه ويلي فوتر بالانحياز العاطفي للجنوب ولا بالتعاطف الرومانسي مع قضيته - هو كشفه المُزلزل لازدواجية الدور السعودي الذي يجسده سفيرها وأدواته ببراعة محنكة؛ فهو ذلك الدبلوماسي الذي يجوب العواصم الأوروبية حاملًا في يمينه "جزرة" السلام والإعمار والوساطة، متوشحًا برداء مهندس التنمية والمشرف على بناء المدارس والمستشفيات، ليقدم للغرب "خيالًا مريحًا" يبرر التعامل مع نظام يمارس أبشع صور الإكراه والهيمنة، بينما تختبئ في يساره "عصا" غليظة من أدوات عسكرية مباشرة وغير مباشرة، تحرك قوات موالية لها في جوف الليل لتعيد تشكيل خريطة الجنوب وفق شروط الرياض لا وفق إرادة أبنائه؛ إنها استراتيجية شيطانية في دقتها، تتلخص في معادلة صادمة لا تقبل التأويل: الباب مفتوح في الرياض للتفاوض فيما الميدان مغلق في عدن وحضرموت بقوة السلاح، مما ينهك الجنوبي سياسيًّا ويستنزفه ميدانيًّا في آنٍ معًا، ويجعله أسير حلقة مفرغة من الوعود المعسولة والضربات الموجعة.
وإذا كان التقرير يقدم خدمة جليلة لقضية شعب الجنوب - قد لا يكون أبناء الجنوب أنفسهم قد أدركوا أبعادها كاملة - فإن تلك الخدمة تتجسد في نقله لها من مربع "الملف اليمني-اليمني" الضيق الذي طالما سعت الرياض إلى حبسها فيه، إلى فضاء "الملف الأوروبي-القانوني" الدولي، عندما يقرر بجرأة أن صادرات السلاح الأوروبية للسعودية تتعارض تعارضًا صارخًا مع معاهدة تجارة الأسلحة والموقف الأوروبي المشترك، مما يحول الجنوب - شاءت أوروبا أم أبت - من مجرد ضحية مهمشة إلى ورقة ضغط أخلاقية وقانونية على الحكومات الأوروبية التي طالما راهنت الرياض على صمتها وتواطئها؛ غير أن هذا الإنجاز الدبلوماسي الذي يقدمه التقرير على طبق من ذهب لا يخلو من سموم قاتلة تنساب في نسيج السردية كالسم الزعاف، إذ يحصر قضية شعب الجنوب في إطار "خفض التصعيد" المريب، متبنيًا السردية السعودية التي تُجرِّم أي تحرك جنوبي توسعي باعتباره تهديدًا للسلام لا حقًا سياسيًّا مشروعًا، وكأن المطلوب من شعب بأكمله أن يدفن حلمه في استعادة دولته تحت ركام اتفاقات هشة لا تعدو كونها هدنات مؤقتة لالتقاط الأنفاس وإعادة التموضع.
والأدهى والأمر من ذلك كله هو أن التقرير - وهو يسرد تفاصيل المؤامرة على الجنوب - يمارس في الوقت ذاته سياسة طمس موازية لقضية شعب لا تقل خطورة عن تلك التي يتهم سفير الرياض بممارستها؛ فهو يتعمد تغييب مشروع الاستقلال واستعادة الدولة الجنوبية بالكلية، ويتحدث بلغة باردة عن "تقليص سيطرة" و"إعادة تشكيل" وكأن الأمر لا يعدو كونه صراع فصائل على النفوذ داخل كيان يمني موحد مفترض، مما يفرغ قضية شعب بأكمله من بعدها التاريخي الوجودي ومن سرديتها القانونية التي تستند إلى شرعية دولة قامت وأُجهضت بالقوة الغاشمة عام 1994؛ بل إنه يضع المجلس الانتقالي الجنوبي - الحامل السياسي لقضية شعب - في نفس الخانة مع تشكيلات هجينة مصنوعة بقرار خارجي كـ"درع الوطن"، متجاهلًا عن عمد أن الأول يمثل مشروعًا وطنيًا تحرريًا متفردًا فيما الآخرون ليسوا سوى أدوات وظيفية مؤقتة في لعبة المحاور الكبرى، مما يكشف عن رغبة دفينة في جعل الجنوب ساحة اختبار لمدى جدية أوروبا في الالتزام بقواعدها، لا قضية عادلة بذاتها تستحق أن يُناضل من أجلها.
وإن المتأمل في استراتيجية سفير الرياض التي يشرحها التقرير ببراعة تشريحية لا يملك إلا أن يقف مندهشًا أمام عبقرية الشر المحض التي تتجلى في أربعة مسارات متكاملة: أولها "الشخصنة المؤسساتية" التي جعلت من السفير - بجمع قبعات السفير والمشرف على الإعمار ومسؤول الملف السياسي - كيانًا متجسدًا للدولة السعودية في اليمن الموحد، فلا يمكن لأي طرف جنوبي تجاوزه أو الالتفاف عليه؛ وثانيها "هندسة الشرعية البديلة" التي استخدمت اتفاق الرياض 2019 - الذي قدم كإنجاز دبلوماسي - كمختبر سري لصناعة "مجلس القيادة الرئاسي" و"درع الوطن" كبديل شرعي يمثل الجنوب بالقوة الناعمة والخشنة معًا؛ وثالثها "دبلوماسية الإعمار كغطاء للسيطرة" حيث تمنح صورة المستشفيات والمدارس أوروبا خيالًا مريحًا يخفي وراءه أبشع صور القصف وإعادة الانتشار العسكري؛ ورابعها وأخطرها "تزامن الوساطة والإكراه" بحيث لا يكاد يخرج الوفد الجنوبي المفاوض من بوابة قصر السلام في الرياض حتى تدخل قوات موالية للسعودية من البوابة الخلفية لمدينة عدن أو المكلا لفرض أمر واقع جديد.
إن حجر الزاوية في هذه الاستراتيجية الوصائية يتجلى بجلاء صارخ في التعامل مع حضرموت، التي يعترف التقرير بأنها باتت "جزءًا من العمق الاستراتيجي السعودي"، بما تملكه من موانئ وأصول طاقوية وامتداد جغرافي يلامس حدود المملكة؛ هنا لا يمكن أن تخدعنا لغة التقرير الأكاديمية الباردة، فهو يفسر للرأي العام الدولي - بموضوعية مخيفة - لماذا تمنع الرياض المجلس الانتقالي من التوسع في حضرموت، واضعًا القضية في إطار جيوسياسي لا يرحم، بعيدًا عن أوهام الخلافات الداخلية الجنوبية أو المناكفات الفصائلية؛ إنها رسالة مبطنة بأن حضرموت - شاء الجنوبيون أم أبوا - لم تعد مجرد محافظة جنوبية، بل تحولت في المخيلة الاستراتيجية السعودية إلى خط دفاع أول عن أمنها القومي، وإلى خاصرة رخوة لا يمكن السماح لأحد بملامستها، مهما كانت شرعية مطالبه أو عدالة قضيته.
وبين مطرقة هذا الاستهداف السعودي الممنهج وسندان التدويل الأوروبي المشروط، يقف الجنوبي اليوم في مفترق طرق وجودي، يدرك - ربما لأول مرة - أن معركته ليست مع نظام صنعاء وحلفائه الإقليميين فحسب، بل مع تحالف دولي معقد ومتشابك المصالح، يريد إبقاءه في تلك المنطقة الرمادية اللعينة: لا غالب ولا مغلوب، لا مُستقِل ولا تابع تمامًا، بل كيانًا منزوع الإرادة ومفرغًا من المعنى ومحتوى في هيكل يمني موحد شكليًا، يُدار من خارجه وتُصاغ قراراته في غرف عمليات ليست في عدن ولا في حضرموت ولا في المهرة؛ وهو يدرك أن الرياض، كما يلخص التقرير ببرود مرعب، لا تريد هزيمته عسكريًا هزيمة كاملة لأن ذلك يكلفها فاتورة دولية باهظة، ولا تريد انتصاره السياسي انتصارًا حاسمًا لأن ذلك يهدد عمقها الاستراتيجي في باب المندب والسواحل الجنوبية، ولذلك فإن الحل الوسط الذي يطبخه سفير الرياض ليس سوى عملية احتواء بطيئة وطويلة الأمد، تُسوّق لأوروبا كـ"بناء سلام" بينما هي في جوهرها حرب إبادة سياسية ممنهجة ضد حلم شعب الجنوب في استعادة كرامته المسلوبة.
ألا فلتعلم الرياض أن شعوب الأرض - مهما طال ليل القهر والاستبداد - لا تموت ولا تُدفن أحلامها تحت أنقاض المشاريع الإعمارية المزيفة، وأن التاريخ لم يسجل أن شعبًا تمسك بحقه في تقرير مصيره وانتزاع استقلاله ثم طواه النسيان، وأن الجنوب الذي قاوم بصبره وعناده وإرادته كل موجات الطمس والاستئصال والتذويب، سيبقى كالطود الشامخ في وجه رياح المؤامرات العاتية، ينتظر اللحظة التاريخية التي يلتقي فيها الحق بالقدرة، والمبدأ بالمصلحة، والإرادة بالفرصة، فتنهار معها كل الجدران الوهمية التي بناها مهندسو الاحتواء والتهميش.