
كتب/ احمد عبداللاه
السؤال الأول الذي يطرح عند الحديث عن الإخفاء القسري هو: ما الغاية من هذه الممارسة؟
فالأنظمة البوليسية والأمنية التي ارتبط اسمها بالإخفاء القسري كانت تستهدف عادة شخصيات سياسية أو عسكرية أو إعلامية مؤثرة، أو شبكات وتنظيمات تعتبرها تهديداً مباشراً لسلطتها ومصالحها.
الصورة التي يروجها الإعلام المناهض للمجلس الانتقالي توحي أحياناً وكأن عدن عاشت نسخة من تجربة بينوشيه في تشيلي، أو كأنها كانت مركز كل أزمات اليمن، بل ومركز أزمات الإقليم، فيما توارت بقية المناطق عن دائرة الاهتمام. فبعد أن تمكنت صنعاء، ومناطق أخرى، من إقصاء خصومها وفرض معادلاتها بالقوة، بات التركيز موجهاً بصورة شبه حصرية نحو الانتقالي، وهو الطرف الذي يواجه عدداً كبيراً من الخصوم السياسيين والإعلاميين.
لكن ثمة سؤال منطقي يظل مطروحاً: من هم المخفيون قسراً؟ وما هي صفاتهم وأدوارهم؟
الانتقالي دخل في شراكات رسمية مع خصوم أشداء، كما أن شخصيات سياسية وإعلامية كثيرة لم تتوقف عن مهاجمته وانتقاده، وبعضها شكل له خطراً سياسياً وإعلامياً حقيقياً، ومع ذلك عاش هؤلاء في عدن ومارسوا نشاطهم بصورة علنية وتحت حماية قوات جنوبية.
لذلك، إذا كانت معظم الحالات المتداولة تتعلق بأشخاص لا يشغلون مواقع سياسية أو عسكرية أو إعلامية مؤثرة، فما الدافع خلف استهدافهم، بينما تبقى شخصيات أكثر تأثيراً وحضوراً خارج دائرة الاستهداف؟
هذا سؤال مشروع، كما أن التساؤل حول بعض الأسماء التي جرى تداولها مراراً واختفت يظل مشروعاً أيضاً ويستحق إجابات واضحة.
وفي المقابل، ماذا عن المتهمين بالإرهاب؟ وماذا عن التنظيمات التي وقفت خلف موجات التفجيرات والاغتيالات التي أودت بحياة آلاف الجنود والمدنيين في عدن وغيرها خلال سنوات طويلة، وما تزال؟ ولماذا لا يحظى هذا الملف بالقدر نفسه من الاهتمام لكشف المسؤولين عنه، وخلفياته، والجهات التي دعمته ومولته؟
إن استمرار استهداف المجلس الانتقالي سياسياً من مختلف الاتجاهات يجعل من السهل توظيف أي ملف كسلاح في الصراع السياسي، وهو أمر يضر بالضحايا وأسرهم مثلما يضر بالحقيقة ذاتها.
وفي بيئة يغلب عليها الاستقطاب والصراع، تصبح الثقة بأي رواية أمراً بالغ الصعوبة، كما أن الدوافع السياسية لا توفر بالضرورة حماية لحقوق المختفين ولا تضمن الوصول إلى الحقيقة.
ان اكثر ما ارتكبه الانتقالي هو في حق نفسه لانه ترك ملفات كثيرة دون كشف ودون تفاعل جاد وحقيقي.
إن طرح هذه الأسئلة لا ينتقص من حق أي أسرة في معرفة مصير أبنائها، ولا يقلل من خطورة اختفاء أي إنسان، فالقضية الإنسانية تبقى قائمة بغض النظر عن الانتماءات والمواقف. لكن الاتهامات الكبيرة تحتاج إلى أدلة وتفسيرات تربط بين الفعل والغاية، كما تحتاج إلى آلية قانونية مستقلة ومحايدة قادرة على التحقيق وكشف الحقائق بعيداً عن ضجيج الصراع السياسي وحساسيته.