سلطة الأمر الواقع: بين استفزاز إرادة الشعب والهروب من مسؤوليتها تجاه خدماته

سلطة الأمر الواقع: بين استفزاز إرادة الشعب والهروب من مسؤوليتها تجاه خدماته

سلطة الأمر الواقع: بين استفزاز إرادة الشعب والهروب من مسؤوليتها تجاه خدماته
2026-06-15 17:45:50
صوت المقاومة الجنوبية/ خاص

 

كتب| د. أمين العلياني

في لجة صيف يلفظ أنفاسه جمرًا، ويذيب على أرصفة الانتظار بقايا الصبر، يقف شعب الجنوب العربي متلفعا بوهج الحاجة، مثقلًا بوطأة السؤال الموجع: أين تنفق ثروات الأرض، وأين تصرف رواتب الأحياء؟ إنها لحظة تتكشف فيها المعادن، وتختبر فيها ضمائر السلطة، تلك التي قامت على وقع التضحيات، واستظلت بدعم سعودي كان ينتظر أن يكون رافعة للخدمة لا ستارًا للهروب في خلق معارك جانبية.

غير أن هذه السلطة، وقد أرهقها فشلها الخدمي والاقتصادي، وأقض مضجعها عجزها عن توفير الماء والكهرباء والدواء، وجدت في استفزاز إرادة الشعب مهربًا وغايةً. وكأن الهاجس الذي صار يمتلك مخيلتها، والشبح الذي يؤرق نومها، لم يعد كيف تدير مدينة تنهار، بل كيف تخرس صوتًا يرتفع، وكيف تمحو من الوجدان كل ما يذكر بأن في الجنوب من لا يزال يؤمن بحلم في استعادة دولته.

ها هي ذي تارة تطبق على مقرات المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، وكأنها تغلق أبواب الأمل في وجه من صنعوه، وتارة أخرى تطالب بمسح شعار المجلس من شاشة "بندر عدن"، الناقل المحلي لمباريات كأس العالم، وكأن في بث الشعار تهديدًا لها أشد من بث الهزيمة في الخدمات. بل إنها لم تكتف بهذا، فامتد عبثها إلى إنزال صور الرئيس عيدروس الزبيدي من اللوحات في الشوارع، في مشهد لا يعبر عن قوة متجبرة، بل عن خوف دفين من ظل رجل يبدو أن ذكراه في القلوب أرسخ من صورته على الجدران.

في هذا المسلك المكشوف تتجلى المفارقة القاسية: شعب ينتظر الخدمة في صيف قاتل، وسلطة تتصيد الشعارات والصور وأسماء الشاشات. شعب يسأل عن رغيف الخبز، وسلطة تبحث عن معركة اللوحات. وهي بهذا التصرف لا ينم عن اقتدار، بل عن إفلاس في الفعل، حين يصبح استعداء الإرادة الشعبية نشاطًا يوميًّا تتلهى به سلطة أعيتها مسؤولية البناء.

إن الكايوس الذي يؤرق هذه السلطة ليس مرده الشعب المطحون، بل هو انعكاس لعجزها عن ترجمة الحضور السياسي إلى خدمة ملموسة. وحين يعجز المرء عن حل الأزمة، يلجأ إلى افتعال أزمة أخرى، ظنًا منه أن ضجيج المعركة الجانبية سيغطي على صمت الفشل المدوي.

ومن هنا، تتوجه نصيحة صادقة إلى هذه السلطة، لا من باب الوعظ، بل من باب الإشفاق على ما تبقى من جسور بينها والشعب: لا تجعلوا من فشلكم الاقتصادي والخدماتي مبررًا لمزيد من العبث. لا تحاولوا الهروب إلى الأمام باستفزاز إرادة شعب لم يعد يملك إلا إرادته.  ونقول لسلطة الأمر الواقع أن الطريق إلى شرعية وجودها لا يمتد عبر إغلاق المقرات أو مسح الشعارات، بل عبر فتح الطرقات، وإصلاح الخدمات، وصرف الرواتب في موعدها، واحترام كرامة الناس قبل كرامة اللوحات.

إن التاريخ لا يرحم سلطة تدير ظهرها لآلام الناس، وتستدير لتفتعل المعارك مع أحلامهم. وما لم تبادر هذه السلطة إلى إعادة تعريف أولوياتها، وجعل خدمة الشعب بوصلتها الوحيدة، فإن رياح الغضب حين تهب لا تبقي على شعار ولا على صورة، ولا على سلطة حسبت أن الرهان على استفزاز الإرادة يطيل عمرًا، وما علمت أنه يعجل بالرحيل.