غليان شعبي بعدن وحضرموت .. شعب الجنوب بين جحيم الحر ورصاص القمع (تقرير)

غليان شعبي بعدن وحضرموت .. شعب الجنوب بين جحيم الحر ورصاص القمع (تقرير)

غليان شعبي بعدن وحضرموت ..  شعب الجنوب بين جحيم الحر ورصاص القمع (تقرير)
2026-06-11 17:49:35
صوت المقاومة الجنوبية/ تقرير - خاص

 

يشهد الجنوب العربي واحدة من أكثر مراحله احتقاناً منذ سنوات، في ظل انهيار متسارع للأوضاع المعيشية والخدمية والأمنية، وسط حالة غضب شعبي متصاعدة تجتاح عدن وحضرموت وعدداً من محافظات الجنوب، احتجاجاً على ما يصفه المواطنون بفشل سلطات الأمر الواقع المدعومة سعودياً في إدارة الأوضاع وتوفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة.

وبات المواطن الجنوبي اليوم يواجه معاناة مركبة؛ فهو يموت مرتين، مرة تحت وطأة الحر القاتل وانهيار الكهرباء والخدمات الأساسية، ومرة أخرى برصاص القمع الذي يواجه به المحتجون السلميون في الشوارع والساحات العامة. فبدلاً من الاستجابة لمطالب الناس المشروعة، اتجهت السلطات إلى الحلول الأمنية والعسكرية، الأمر الذي فاقم حالة الاحتقان الشعبي ودفع بالمشهد نحو مزيد من التصعيد.

وتتزامن هذه التطورات مع تفاقم الأزمات الاقتصادية والمعيشية وانهيار القدرة الشرائية للمواطنين وتأخر صرف الرواتب وغياب أي معالجات حقيقية للأزمات المتراكمة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تداعيات هذا الانهيار على الاستقرار الداخلي وعلى الجبهات العسكرية الممتدة في أكثر من محافظة.

"عدن.. “ثورة الفرشات” تتحول إلى صرخة شعبية عارمة"

وفي العاصمة عدن، تتواصل موجة الاحتجاجات الشعبية الغاضبة التي انطلقت تحت شعار “ثورة الفرشان”، حيث خرج المئات من المواطنين إلى الشوارع للتعبير عن رفضهم للأوضاع المعيشية الكارثية والانهيار غير المسبوق في خدمة الكهرباء التي أصبحت عنواناً يومياً لمعاناة السكان.

ويؤكد مشاركون في الاحتجاجات أن القضية لم تعد مرتبطة بساعات انقطاع الكهرباء فقط، بل تحولت إلى تعبير عن غضب شعبي شامل تجاه سياسات أوصلت الأوضاع إلى حافة الانفجار، في ظل غياب الحلول واستمرار تدهور مختلف الخدمات الأساسية.

وشهدت الاحتجاجات مواجهات مع قوات أمنية استخدمت الرصاص الحي لتفريق المتظاهرين، ما أدى إلى سقوط شهداء وجرحى، في مشهد أثار موجة استياء واسعة بين الأوساط الشعبية والحقوقية التي اعتبرت أن الرد على مطالب المواطنين بالرصاص يمثل تصعيداً خطيراً ويعكس عجز السلطات عن معالجة أسباب الأزمة الحقيقية.

ويرى مراقبون أن ما تشهده عدن يمثل تحولاً نوعياً في طبيعة الحراك الشعبي، إذ انتقلت المطالب من المطالبة بتحسين الخدمات إلى التشكيك في جدوى السياسات القائمة والمطالبة بإحداث تغيير جذري في إدارة المشهد برمته.

وفي هذا السياق، أكد الأستاذ عمرو البيض، ممثل الرئيس القائد عيدروس الزبيدي للشؤون الخارجية، أن منع أو قمع التظاهرات السلمية يعد “خطأً مطلقاً” بغض النظر عن الجهة التي تقف خلفه.

وقال البيض في تصريح نشره عبر حسابه على منصة “إكس” إن “منع أو قمع التظاهر والمتظاهرين خطأ مطلق من أي كان، أو من السلطات القائمة المدعومة من قبل المملكة”، مشيراً إلى أن ما يجري يستدعي مراجعة جادة للأداء السياسي والإداري.

وأضاف أن “هناك حقيقة، دون زينة أو تجميل، تتمثل في أن وعود يناير وفبراير قد تبخرت، وأن الإدارة الحالية فاشلة”، في إشارة إلى عدم تحقيق الوعود المتعلقة بتحسين الأوضاع المعيشية والخدمية للمواطنين.

"حضرموت تلتحق بموجة الغضب"

وفي وادي حضرموت، امتدت حالة الغضب الشعبي إلى مدينة سيئون التي شهدت تحركات احتجاجية سلمية للمطالبة بتحسين الخدمات وصرف الرواتب ومعالجة الانهيار المعيشي.

وأكد شهود عيان أن مليشيات قوات الطوارئ اليمنية نفذت حملات اعتقال طالت عدداً من الشباب المشاركين في الحراك الشعبي، في خطوة أثارت استياءً واسعاً بين المواطنين والناشطين الحقوقيين الذين اعتبروا أن اللجوء إلى الاعتقالات لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وتوسيع دائرة الغضب الشعبي.

ويرى ناشطون أن ما يحدث في حضرموت وعدن يعكس وحدة المعاناة التي يعيشها أبناء الجنوب في مختلف المحافظات، وأن الاحتجاجات الحالية تمثل رسالة واضحة برفض استمرار الأوضاع الراهنة وسياسات إدارة الأزمات دون حلول حقيقية.

 

"الانتقالي يحذر من تداعيات إضعاف القوات الجنوبية"

من جانبه، حذر المتحدث الرسمي باسم المجلس الانتقالي الجنوبي أنور التميمي من التداعيات الأمنية والعسكرية الناجمة عن ما وصفه بعمليات الاستهداف والتفكيك الممنهج التي تعرضت لها القوات المسلحة الجنوبية خلال السنوات الماضية.

وقال التميمي إن التطورات الأخيرة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب أكدت مجدداً أهمية وجود شريك ميداني قادر على حماية الممرات البحرية الحيوية، مشيراً إلى أن القوات الجنوبية لعبت دوراً محورياً في مواجهة التهديدات الحوثية ومكافحة التهريب والقرصنة.

وأوضح أن إضعاف هذه القوات انعكس بصورة مباشرة على مستوى الجاهزية الأمنية في واحدة من أهم المناطق الاستراتيجية في العالم، محذراً من أن استمرار هذا النهج قد يفتح المجال أمام مزيد من التهديدات لأمن الملاحة الدولية والتجارة العالمية.

"الجنوب أمام لحظة فاصلة"

ويرى مراقبون أن الجنوب يقف اليوم أمام لحظة سياسية وشعبية فارقة، حيث تتقاطع الأزمات الخدمية والاقتصادية مع الحسابات السياسية والعسكرية الإقليمية، بينما تتسع رقعة الغضب الشعبي يوماً بعد آخر.

ففي الوقت الذي يطالب فيه المواطنون بحقوقهم الأساسية في الكهرباء والمياه والرواتب والحياة الكريمة، يجدون أنفسهم في مواجهة إجراءات أمنية وقمعية تزيد من تعقيد المشهد وتدفع نحو مزيد من الاحتقان.

ومع استمرار الاحتجاجات واتساع نطاقها من عدن إلى حضرموت ومحافظات أخرى، تبدو الرسالة الشعبية أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: لم يعد الشارع الجنوبي يحتمل المزيد من الوعود المؤجلة، ولا مزيداً من إدارة الأزمات بالمسكنات أو بالقوة، بل يطالب بتغيير حقيقي يضع حداً لمعاناة مستمرة جعلت أبناء الجنوب يدفعون الثمن مرتين؛ مرة تحت لهيب الحر وانهيار الكهرباء، ومرة تحت فوهات البنادق والرصاص الذي يوجّه إلى صدور المحتجين السلميين.