
كُتب بواسطة بلعيد صالح
أ حياناً ينفعل الناس الناس ويختزلوا التاريخ النضالي لهذا الرجل أو ذاك بصورة مفبركة أو بعبارة دبلوماسية في لقاء سياسي تم تأويلها وتحميلها ما لا تحمله ، وكأن التاريخ النضالي للرجل بدأ في تلك اللحظة، وينسون سنوات من المواقف الصلبة عند جملة بروتوكولية تفرضها ظروف المكان والمرحلة ولا معنى لها٠
د٠ ناصر الخبجي قامة جنوبية ارتبط اسمه مبكراً بالدفاع عن قضية الجنوب في أصعب الظروف وأكثرها كلفة، فقد كان من أوائل من حملوا صوت الجنوب إلى داخل المؤسسات الرسمية في عهد عفاش ونظامة، وقاد الخبجي معركة الدفاع عن حقوق الجنوبيين تحت قبة البرلمان عندما كان مجرد الحديث عن مظالم الجنوب قد يكلف صاحبه حياته ، فيومها لم يكن الحديث عن الجنوب طريقاً إلى المناصب، بل طريق للمواجهة وتحمل التبعات الكبيرة٠
هذا الرجل ينتمي إلى ردفان، الأرض التي لم تعرف الصمت أو الانحناء، بل كانت ولا تزال حتى اللحظة رمزاً للثورة والكبرياء؛ فمن رحم تلك الجبال أنطلقت شرارة 14 أكتوبر وخرجت أجيال، رضعت حليب الحرية، وتربّت على أن الكرامة تُنتزع ولا تُمنح، وأن الأوطان لا تُقايض على حقوقها؛ ومن غير المنطقي أن يُطلب من الناس أن يتجاهل كل هذا التاريخ لمجرد أن تصريح سياسي تضمن أسلوب دبلوماسي مألوف في العلاقات السياسية تجاه خصم يتربص بكل كلمة ليصنع منها سبب للخصومة٠
ثم أن ما هو أهم من ذلك أن التصريح نفسه يهدم كل محاولات التأويل الظالمة و ذلك ما وجدناه منعكساً في جوهر حديثه إذ أعاد التأكيد بصورة صريحة لا تقبل أدنى تاويل أن قضية الجنوب هي قضية شعب وهوية وحق سياسي لا يمكن تجاوزه أو القفز عليه، وأن شعب الجنوب متمسك بتطلعاته في استعادة دولته مهما كانت التحديات والمتغيرات وينبغي أن نقف لنفكر في تلك العبارة ؛ ولم يقف الرجل عند ذلك الحد بل تحدث عن تعزيز وحدة الصف الجنوبي، وعن ضرورة وجود رؤية سياسية ومرجعية للعملية السياسية في الجنوب، وهذه العبارات تحمل في مضمونها إصرار واضح على خصوصية القضية الجنوبية بمعنى ضرورة أن يكون للجنوب موقفه ورؤيته ومرجعيته السياسية وقيادته الخاصة فالرجل لم يتحدث عن إذابة الجنوب في مشاريع الآخرين، ولم يتحدث عن تجاوز قضية الجنوب أو ترحيلها، وإنما تحدث عن الجنوب باعتباره طرفاً سياسياً صاحب قضية وحق ومستقبل ؛ كما تضمن تصريحه التشديد على الوقوف الكامل إلى جانب شعب الجنوب في مطالبه المشروعة التي نعرفها جميعاً وهي تقرير المصير بفك الارتباط عن الشمال، وربط د٠الخبجي نفسه بمعاناة شعب الجنوب وأزماتهم الاقتصادية والخدمية، وهو أسلوب حديث من يرى نفسه ممثلا ً لقضية شعب الجنوب، وهنا تكمن صفة القائد الذي يكرر الحديث عن حقوق شعبه ومعاناتهم وثوابتهم الوطنية ، وهو بذلك يؤكد أن البوصلة ما زالت في الاتجاه ذاته وتلك العبارات لا يحرص على تثبيتها إلّا من يدرك أن المعركة الحقيقية هي معركة تثبيت الحقوق الوطنية في أي عملية سياسية قادمة، ومن يقرأ تصريح د٠الخبجي بعين فاحصة سيلاحظ أن أكثر العبارات قوة ووضوحاً جاءت في ما يخص الجنوب، بينما جاءت عبارات الشكر لهذه الدولة أو تلك في إطارها البروتوكولي المعروف الذي لا يغير من جوهر الموقف ولا من الحقائق السياسية شيئاً؛ وجميعنا يدرك أن الحديث باسلوب دبلوماسي هادئ تجاه السعودية يجب أن يُقرأ بعين السياسة لا بعين الانفعال، فالجميع يعلم أن الرجل ومعه عدداً من أعضاء الوفد الجنوبي يعيشون ظروفاً استثنائية ومعقدة منذ يناير الماضي وأن مساحة الحركة والتعبير في أحاديثهم ليست هي ذاتها التي كانت ستكون لو كانوا بين جماهيرهم في الجنوب، والسياسي المسؤول يختار معاركه وكلماته بما يحافظ على الهدف الاستراتيجي لقضيته، لا بما يحقق تصفيقاً عابراً أو ارتياحاً لحظياً٠
ويبقى السؤال الذي أريد أن أوجهه لأولئك المنفعلين بحماس غير محسوب ماذا يعني أن يقول الخبجي أن الجنوب قضية شعب وهوية وحق سياسي، وأن هذا الحق لا يمكن تجاوزه أو القفز عليه مهما تعددت الضغوط وتعقدت الظروف؟