
كتب | فؤاد جباري
"في الخامس والعشرين من مايو، لا تستحضر الضالع ذكرى هامشية في روزنامة الحرب الدائرة والمستمرة ضد الجنوب، بل تستدعي تاريخًا كتب بالدم، وتستنهض ملحمة غيرت وجه المعركة في المنطقة بأسرها. ذلك اليوم لم يكن مجرد انتصار عسكري محدود، بل كان لحظة فاصلة انكسر فيها المشروع الإيراني لأول مرة على أسوار مدينة جنوبية عصية، لتعلن الضالع نفسها بوابة النار التي احترقت على صخرتها أطماع المليشيات الحوثية الإرهابية كما هي بوابة الجنوب وخط دفاعه الأول.
هنا، في الضالع، لم تكن المعركة معركة شارع أو موقع أو تبة عسكرية فحسب، بل كانت معركة هوية ووجود وكرامة وطن. كانت معركة شعب قرر أن يقف بين الحياة والعبودية، بين الحرية والسقوط، بين الجنوب ومشروع الهيمنة القادم على ظهور الدبابات وأوهام الإمامة المغلفة بشعارات الموت والكراهية.
لقد ظنت المليشيات الحوثية ومن بعدها قوات صالح آنذاك، وهي تتدفق بأرتالها المدججة بالدبابات والمدافع وراجمات الصواريخ، أن الضالع مجرد محطة عبور نحو عدن، وأن الشارع العام الذي لا يتجاوز طوله كيلومترًا واحدًا سيكون ممرًا سريعًا لاحتلال الجنوب بأكمله. لكنها لم تكن تدرك أنها تدخل أرضًا لا تركع، وأنها تواجه رجالًا صهرتهم سنوات النضال والثورة والمقاومة، رجالًا تربوا على رفض الانكسار، وتشربوا من تاريخ الجنوب معنى الكرامة والسيادة.
في الضالع، واجه الأبطال الدبابة بالكلاشنكوف، والمدفع بالإرادة، والحصار بالعقيدة الوطنية الصلبة. هنا، كانت البنادق القديمة تكتب بها أعظم ملاحم العصر، وكانت الأزقة تتحول إلى ساحات استنزاف للموت الحوثي، وكانت القلاع والمرتفعات والبيوت الشعبية تتحول إلى حصون من نار يتكسر عليها الغزاة.
من دار الحيد إلى العرشي إلى السنترال إلى الجمرك إلى الخزان إلى المظلوم في وسط مدينة الصمود الضالع، ومن حجر إلى سناح إلى الوبح إلى بلاد الشاعري، كانت الأرض تشتعل تحت أقدام الغزاة. كانت المواجهات وجهًا لوجه، بلا تراجع ولا مساومة. كانت الضالع كلها خندقًا واحدًا، وكان رجالها يخرجون من بين الركام كما تخرج الأساطير من الرماد، يقاتلون حتى آخر طلقة، وحتى آخر نفس.
لقد استمات العدو بكل ما يملك.. دفع بألوية كاملة، واستنفر كتائب الحسين الانتحارية، وحشد خبراء الحرس الثوري الإيراني، وفتح مخازن الموت على مصراعيها. قصف المدن والقرى، دمر المنازل، حاصر السكان، وأمطر الأحياء السكنية بالنيران الهستيرية، معتقدًا أن الحديد قادر على كسر إرادة البشر. لكنه اصطدم بحقيقة لم يفهمها يومًا: أن الضالع لا تهزم حين تقاتل دفاعًا عن كرامتها وأهداف ثورتها.
وفي ليلة الرابع والعشرين من مايو، حين رسمت خطة الهجوم الحاسم بقيادة الرئيس القائد عيدروس الزبيدي إلى جانب أبطال المدينة وكل الأحرار الذين لبوا النداء من الأزارق وجحاف وحجر والشعيب والحصين ولا ننسى إخواننا الثوار من يافع، كانت ساعة التاريخ تقترب. انطلقت المقاومة الجنوبية كالسيل الجارف، تتقدم تحت أزيز الرصاص ولهيب المعارك، فسقطت مواقع العدو الواحد تلو الآخر، وتحولت معسكرات الحوثي وصالح إلى مقابر جماعية لمشروعهم الدموي.
ومع بزوغ شمس الخامس والعشرين من مايو 2015 الأغر، كانت الضالع قد أعلنت نفسها أول مدينة تكسر شوكة الحوثيين، وأول مدينة تسقط المشروع الإيراني عسكريًا في المنطقة... ارتفعت التكبيرات من المآذن، وتعالت الزغاريد من البيوت، وخرج الأطفال يركضون في الشوارع المحررة رغم خطورة الوضع، بينما كانت جثث الغزاة تجر أذيال الهزيمة خلفها.
لكن عظمة الضالع لم تتوقف عند ذلك النصر التاريخي. ففي 2019، عادت المليشيات بحشود أكبر، وبأسلحة أثقل، وبخطة اجتياح شاملة ظنت معها أن الوقت قد حان للانتقام وكسر هذه المحافظة الثائرة. فتدفقت جحافلها من محافظتي ذمار وإب العود والحشاء ونجد الجماعي وماوية وأحاطت الضالع من كل منافذها الشمالية والغربية.. من الجبال والوديان والتلال والسهول وغيرها، مدفوعة مجددا بنزع الانتقام وبوهم إسقاط الضالع والوصول إلى ردفان ثم عدن، وكانوا مؤمنين بذلك أيمانا جازمًا متخندقين خلف الكثرة وعظمة الحشد.
غير أن الضالع كانت قد ازدادت صلابة وخبرة وإيمان. فتحولت الجبال إلى جحيم يلتهم المهاجمين، وتحولت الجبهات إلى محرقة مفتوحة للغزاة. في قعطبة، وشخب، وباجة، ولكمة الدوكي، والريبي، والمشاريح.. سطرت ملاحم جديدة لا تقل عظمة عن ملحمة التحرير الأولى، ووقف الأهالي بمل شرائحهم صفا واحدًا إلى جانب قواتهم المسلحة الجنوبية كتفًا إلى كتف، وتحولت كل قرية إلى متراس، وكل بيت إلى موقع مقاومة.
لا شك أن فاتورة ثمن الحرية لم تحمل رقمًا هزيلًا، لقد قدمت الضالع قوافل من الشهداء الذين كتبوا أسماءهم على جدران المجد بدمائهم الزكية؛ قادة ومقاتلين ومدنيين، رجالًا آمنوا أن الأوطان لا تصان إلا بالتضحية. فكان الشهيد هنا مشروع أمة، وكانت الدماء وقود الانتصار، وكانت التضحيات عنوان الكبرياء الجنوبي الذي لا ينكسر.
واليوم، وبعد أحد عشر عامًا على التحرير، لا تزال الضالع واقفة في مقدمة الصفوف، تلقن المليشيات الحوثية الدروس ذاتها كل يوم. لا تزال جبهاتها مشتعلة بالعزة، ولا تزال بنادق رجالها تحرس الجنوب من مشاريع الفوضى والهيمنة. ورغم المؤامرات والحصار والاستهداف السياسي والعسكري والإعلامي، بقيت الضالع أكبر من كل التحديات، لأنها تستند إلى شعب لا يساوم على كرامته، وإلى رجال صنعوا من الصخر متارس، ومن الجراح رايات انتصار.
إن الضالع لم تكن يومًا مجرد محافظة، بل مدرسة ثورية، وعقيدة مقاومة، وقلعة جنوبية عصية على الانكسار ونافورة معنويات للجنوب عمومًا. وستظل كذلك، كبيرة بأهلها، عظيمة بشهدائها، شامخة بتاريخها، مرعبة لأعدائها، لأنها ببساطة تعرف كيف تنتصر… وكيف تفشل مشاريع الإمبراطوريات مهما عظمت قوتها.
المجد للشهداء… الشفاء للجرحى… والنصر للجنوب.
#فؤاد_قائد_جُباري: متحدث جبهة ومحور الضالع
25 مايو 2026م
#الذكرى_الحادية_عشرة_لتحرير_الضالع"