
تحليل / د . يحيى شايف ناشر الجوبعي:
ليست ردفان مجرد مساحة جغرافية في خارطة الجنوب، بل هي بوصلة الوعي الثوري ومهد الانفجارات الكبرى التي أعادت صياغة التاريخ الجنوبي في لحظاته الفاصلة.
ومن ردفان لم تكن الثورة الجنوبية يوما حدثا عابرا ، بل مسارا متصلا من النضال، يتجدد كلما حاولت قوى الاحتلال كسره أو احتواءه .
إن الحديث اليوم عن تثوير الثورة الجنوبية ليس ترفا لغويا ولا شعارا تعبويا عابرا ، بل هو ضرورة تاريخية ومرحلة نوعية تفرضها متطلبات التحرير والاستقلال .
فالتثوير يعني الانتقال بالثورة من حالة التكرار إلى حالة الفعل المتصاعد ، ومن ردود الأفعال المحدودة إلى المبادرة الواعية في صناعة الأفعال ، ومن التعب إلى استنهاض الطاقات الكامنة في وجدان الشعب الجنوبي.
التثوير هو تفجير الوعي قبل تفجير الواقع ، وهو شحذ الهمم ورفع المعنويات ، وتحويل الإيمان بعدالة القضية إلى قوة فعل منظم ومستمر ، كما يعني في جوهره ،إعادة ضخ الروح في جسد الثورة ، وتأكيد أن الثورة الجنوبية ليست ذكرى ، بل فعلا حيا يتصاعد حتى تحرير الجنوب واستقلاله من قوى الاحتلال اليمني وكل من يقف وراءه .
ومن هنا تكتسب منصة ردفان دلالتها العميقة باعتبارها المكان الطبيعي لانطلاق الدعوة إلى تثوير الثورة الجنوبية.
كما أن ردفان ليست غريبة عن إشعال الثورات ، بل هي تاريخها الحي .
فمن جبالها انطلقت شرارة ثورة الرابع عشر من أكتوبر عام ١٩٦٣م ، بسقوط الشهيد راجح بن غالب لبوزة كأول شهيد للمقاومة الجنوبية ضد الاستعمار البريطاني الغاصب ، لتفتح بذلك صفحة جديدة في مسار التحرر الجنوبي .
ومن ردفان ذاتها ، توج انطلاق الثورة الجنوبية السلمية بسقوط شهداء منصة ردفان الباسلة في أكتوبر من العام ٢٠٠٧ ضد الاحتلال اليمني ، لتؤكد هذه الأرض المقدسة بأنها لا تكتفي باستحضار التاريخ ، بل تصنعه من جديد.
واليوم وفي هذه المليونية الكبرى تقف ردفان الباسلة في قلب اللحظة التاريخية ومن داخل منصة الشهداء لا بوصفها رمزا ماضيا، بل باعتبارها منصة حاضرة لإطلاق دعوة واضحة وصريحة إلى تثوير الثورة الجنوبية المنبثقة من دعوة الأخ الرئيس القائد عيدروس قاسم الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية الموجهة إلى شعب الجنوب للتصعيد والثبات والصمود .
وما يعزز من قيمة عملية التثوير الثوري انبثاقها من عمق الثورة نفسها ، لا من حسابات الخارج ، هادفة إلى ضمان استمرارية النضال الجنوبي تصعيدا وثباتا وصمودا ، حتى بلوغ غايته الكبرى في التحرير والاستقلال.
وهي تأكيد على أن الثورة الجنوبية ما دامت تتثور من داخلها ، فهي قادرة على كسر أي محاولة من محاولات الإخماد ، وقادرة على تحويل التضحيات إلى قوة تاريخية حاسمة.
ردفان وهي تدعو إلى تثوير الثورة تقول بوضوح إن الجنوب لم ولن يقبل إلا بالحرية والاستقلال الكامل ، وإن النضال مستمر وسيظل في حالة تصاعد ثابت لا يتراجع ولا ينكسر حتى التحرير والاستقلال.
وبهذه الدعوة توصل ردفان رسالة مفادها أن الثورة التي لا تتجدد من داخلها ، تذبل مهما كانت عدالة قضيتها.
ومن هنا ، فإن الثورة الجنوبية اليوم بقيادة حاملها السياسي ممثلا بالمجلس الانتقالي الجنوبي برئاسة الأخ الرئيس القائد عيدروس قاسم الزبيدي مدعوة إلى التثوير والتحديث والتطوير في أساليبها وتكتيكاتها وخطابها انطلاقا من البيان السياسي والإعلان الدستوري حتى تتمكن من مجارات المستجدات والأحداث السياسية وصولا إلى تحقيق غايتها المجسدة في استعادة الدولة الجنوبية بحلتها الفدرالية الجديدة .
إن عملية التثوير الثوري أصبحت اليوم ضرورة لا لا ترف للغوص في أعماق الثورة كونها ثورة وعي وليست صراع على سلطة الوهم ، ثورة وجود قبل أن تكون مواجهة سياسية .
وهنا لابد من عملية التثوير لتجديد الوعي كي يتحرر من التقليد والشعارات المكرورة ، وحتى لا يتحول الفعل الثوري إلى ذكرى نضالية تقليدية.
ولهذا يتطلب من عملية تثوير الثورة الجنوبية تحقيق الآتي:
أولا :التمسك وبقوة في منجزات الشرعية الشعبية وفي مقدمتها التفويض المتجدد للرئيس القائد عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية والتمسك وبقوة في المجلس الانتقالي الجنوبي كحامل سياسي لمشروع الحق السيادي للجنوب ورفض أي محاولات المساس فيه وبكل منجزاته السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.
ثانيا :القطيعة الواضحة مع العقلية التلقينية والكسل الفكري والقطيعة مع الخوف من النقد الإيجابي والمراجعة في سياق العمل المؤسسي ، فلا تحرر بلا عقل نقدي بناء ، ولا استقلال بلا وعي إيجابي قادر على مساءلة الذات قبل مساءلة الخصم ؛ لأن أخطر ما يواجه أي ثورة تحررية هو الجمود ، وأخطر أشكال الاحتلال هو ذاك الذي يتسلل إلى العقول .
ثالثا : يتمثل التثوير الثوري في استعادة السردية الجنوبية من داخلها، وتحرير الذاكرة من التشويه ، وتعميق الهوية الجنوبية من خلال تحويلها إلى عقيدة وطنية ، وتفعيل الخطاب الوطني الجنوبي المعبر عن تطلعات الشعب لا عن ردود أفعال آنية ؛ لأن الثقافة هنا ليست هامشا ، بل ساحة مركزية من ساحات الصراع مع الاحتلال، وبها يتحول الشعب من جمهور متلق إلى فاعل واع بقضيته ومتمسكا بكل منجزاته .
رابعا : في التثوير الثوري لا تكفي عدالة القضية ولا صدق الهدف بشكل مجرد ؛ لأن عملية التثوير تتطلب الانتقال من العفوية إلى تفعيل عملية التنظيم ، ومن ردود الفعل إلى تفعيل عملية التخطيط ، ومن الفعل المتفرق إلى تفعيل العمل المؤسسي ؛ لأن
التنظيم أداة الثورة لضمان الاستمرارية والقدرة على تحقيق استراتيجية الثورة.
خامسا : إن تثوير الثورة الجنوبية يعني تطوير الثورة وتحديثها من خلال كسر أي حالة من حالات الإحباط ، وتفكيك ثقافة الانتظار ، وتعزيز بناء الثقة بالذات الجمعية ، فالثورة التي تعزز الإيمان بقدرتها على الانتصار ، وتضاعف من ترجمة هذا الإيمان إلى فعل منظم ، هي الثورة القادرة على فرض نفسها على مسار التاريخ.
سادسا : في عملية التثوير تتضاعف العلاقة بين الثورة وقضايا الناس اليومية ؛ لأن التحرر الوطني لا يكتمل إلا بتعزيز العدالة الاجتماعية ، وهنا تكمن القيمة الفعلية لعملية التثوير التي انطلقت من منصة شهداء ردفان الأبية ليس من كونها تستحضر الماضي كحنين ، بل كرصيد نضالي يستثمر في تطوير الحاضر وصناعة المستقبل ، فالثورة الجنوبية ليست حدثا منتهيا ، بل مسارا متصاعدا ، يتطور كلما حاول الاحتلال تطويقه إفراغه من مضمونه.
إن تفعيل عملية التثوير والتحديث والتطوير داخل الثورة ليس ترفا فكريا ، بل شرطا ضروريا لانتصارها.
ولهذا فأن الدعوة لتثوير الثورة الجنوبية هي بمثابة إعلان واضح بأن الجنوب لا يسعى لإصلاح دولة الاحتلال ، ولا للشراكة بمنظومتها المهيمنة ، بل لتحرير أرضه منها وبناء دولته المستقلة عنها ، وهذه ليست دعوة للفوضى بل هي تأكيد على أن الثورة الجنوبية حين تضاعف من عملية التجديد والتطوير والتحديث من داخلها ، تصبح أكثر قدرة على تحقيق استراتيجيتها الكبرى المتمثلة في استعادة الدولة الجنوبية المستقلة بحلتها الفدرالية الجديدة.
* أكاديمي ومحلل سياسي