تستوحي مدينة عدن تميزها ومكانتها باستئثارها بالعديد من المواقع والمعالم التاريخية، محملة بعبق الماضي التليد لعدن؛ لكن هذه الأيادي الآثمة أبت إلا أن تنتهك قدسية حرم المعالم التاريخية لتتداعى لتدمّر حلمًا يمتد وهجه من الأيام الغابرة، لتطلق الصهيل الأخير لإنقاذها، فماهي تلك الانتهاكات؟ وما صورها؟ ومن يقف خلف هذه الانتهاكات؟
عدن مدينة لا تشيخ كالنبيذ المعتق كلما عانقت شغافها المعالم والاثآر التاريخية ازداد نضج جمالها، ما أن تلامس أقدامك شوارعها حتى يضع القدر معلما تاريخيا في طريقك، أرضها مهبط الثقافات وأيقونة التعايش السلمي والإنسانية في أغلب مديرياتها في سكينة ودعة.
المعالم الأثرية في عدن
تنقسم المعالم الأثرية إلى قسمين، حسب انتماءاتهم للحقب التاريخية. يقول الأستاذ وديع علي أمان من مكتب تراث عدن: "تختلف المعالم الأثرية في انتمائها للحقب الزمنية، هناك معالم تنتمي لعهد الاستعمار البريطاني، وتعد هذه معالم حديثة، وهناك شواهد تاريخية وحضرية تنتمي لعهد ظهور الإسلام. والمعالم التي تنتمي لعهد قديم هي صهاريج الطويلة التي تقع في الجهة الشمالية لمدينة كريتر، وهي واقعة أسفل هضبة عدن، وتتصل بعضها البعض بشكل سلسة، وتاريخ بنائها موغل في القدم".
سدود هضبة شمسان
تقع في أعلى مدينة كريتر جنوبا، وتنتصب على الهضبة، وتنتصب على الهضبة ثماني سدود، اثنان منها يقعان في وادي الخساف والباقية تقع في وادي الطويلة.
قلعة صيرة
وهي من أقدم المعالم التاريخية لعدن، وهي عبارة عن قلعة قديمة توجد بها تحصينات عسكريه تعتلي جبل صيرة الواقعة في البحر قبالة خليج حقات، وتوجد في القلعة بئر تسمى بئر الهرامسة، أنشئت مع بدايات ظهور ميناء عدن ويعود إلى فترة ما قبل الإسلام.
منارة عدن
وهي إحدى المعالم الأثرية لعدن، وهناك رأيان حولها، الرأي الأول أنها منارة باقية لمسجد قديم تهدّم في مرحلة تاريخية معينة.
والرأي الثاني يرى أنها فنار يعود بنائها إلى قبل حوالي 1200 عام.
ساعة بيج بن
ويعود بنائها إلى عام 1890م متوقفة عن الدوران حوالي ربع قرن وتقع في مديرية التواهي.
آثار حديثة
هناك معالم أخرى، مثل: معبد الفرس وبعض الكنائس والقصر العبدلي ومتحف الملكة اليزابيث ومقابر تابعة للإنجليز.
اعتداء على ساعة بيج بن
تصاعدت الأحاديث المترامية الأطراف عن الاعتداءات التي طالت معلم بيج بن في مديرية التواهي في منطقة البنجسار، حيث دعا الأخ مدير مديرية التواهي عبد الحميد ناصر الشعيبي مثقفي ومحبي معالم عدن التاريخية للاحتشاد يوم الأحد قبل الماضي في ساحة الساعة تضامناً مع حراسة المعلم الذين تعرضوا للاعتداء بحسب بلاغه والذي قال فيه إن الهدف من الاعتداء هو مد البناء العشوائي على ما تبقى من مساحة في الجهة الجنوبية.
بداية الاعتداء
اعتلت منصة ساعة البيج بن البناء العشوائي وأحاطت بها من كل الاتجاهات كورم سرطاني تسلل إلى جسدها المتغضن لتزيد من وطأة الزمن عليها.
وبدت الساعة شاخصة خلف البناء العشوائي تستغيث في حصار محكم تضيق عليها الرؤية.
بدأت هذه الاعتداءات السافرة لحرم المعلم منذ عام 2007 م، وفي عام 2017م قامت الهيئة العامة للآثار والمتاحف بتكليف من رئيس الهيئة الأستاذ محمد أحمد السقاف بإنزال فريق هندسي لتقييم الضرر الذي طال الساعة.
يقول المهندس رياض عبد العزيز: "لقد ذهبت مع فريق هندسي بتكليف من المدير إلى برج التواهي، وقمت برسم رسمة توضيحية لمستوى الاعتداءات المحيطة بالبرج، والتي كانت عبارة عن مباني عشوائية تحيط بالبرج، وكان في عام 2017م بعض الناس قد قطع شوطًا في البناء وبعضهم استكمل البناء هناك، وبعد تقييمنا للضرر قام المدير الأخ محمد السقاف بتقديم بلاغات للنيابة العامة، واجتمعنا مع مأمور التواهي الأخ عبد الحميد الشعيبي وقمنا بإبلاغه بالاعتداء وكان المأمور على علم بالاعتداء وقد أبدى المأمور الأخ الشعيبي تعاونه، وقال أنا مستعد لإزالة البناء، وقد تحدثنا معه عن أهمية وقدسية البرج".
ثم يضيف الأخ رياض قائلا: "الآن البناء العشوائي حول الحرم يكاد يغطي المعلم، ولقد ارتفعت هذه الأبنية لتوازي ارتفاع البرج! أنا مثلا عندما كنت في التواهي كنت أرى البرج من مسافة بعيدة لكن الآن لا أستطيع رؤيته بسبب البناء العشوائي المحيط بها، لقد تحدثنا مع المأمور حول إيقاف التمادي بالبناء للأدوار العلوية إن لم يستطع إزالة البناء".
ثم يتحدث الأخ جسار عن وضع الهيئة قائلا: "للأسف الهيئة لا تملك شرطة للآثار، وهي فقط تتعاون مع كافة السلطات بموجب القوانين، ولقد استطعنا إعداد نموذج خاص لمعرفة البلاغات، وخلال هذه الخاصية تمكنا من تسجيل أي بلاغ للهيئة".
سقوط مدفعين
في عام 2011م سقط مدفعان من علو قلعة صيرة للبحر، يتحدث مكاوي عن هذه الحادثة: "نسقنا مع مأمور صيرة الأخ خالد السيدو لمناقشة موضوع المدفعين اللذين سقطا في البحر منذ عام 2011 م، والآن أحدهما في البحر والآخر على الشاطئ، وهذان المدفعان سيتم انتشالهما من البحر بالتنسيق والتعاون مع الأخ السيدو والدعم والإسناد والأخوة في التحالف العربي، وسيتم إجراء ترميمات ووضعه تحت إشراف الهيئة العامة للآثار والمتاحف".
متحف عدن التاريخي يتحول إلى محلات تجارية
يعود تاريخ المتحف الحربي في عدن إلى العام 1918، حينها كان مدرسة للتعليم الأساسي- المرحلة الأساسية باللغة الإنجليزيةResidency School - وفي 22 مايو 1971 بعد الاستقلال عن المملكة المتحدة وجلاء آخر جندي إنجليزي في نوفمبر 1967، تم تحويله إلى متحف للتراث العسكري اليمني، بقرار أصدره رئيس اليمن الجنوبي آنذاك، سالم رُبيّع علي.
وأبرز مقتنيات المتحف التي يحتويها هي الأسلحة القديمة وصور الثوار، ومعروضات عن تاريخ اليمن العسكري ومراحل التطور الحديث التي شهدتها القوات المسلحة اليمنية، كما يحتوي على صور وأعمال يدوية تاريخية صنعها الإنسان من الحجارة. ويقع المتحف في شارع يحمل اسمه (شارع المتحف) بمدينة كريتر في مديرية صيرة، محافظة عدن.
وقد تعرض المتحف الحربي مؤخراً لعملية بسط عشوائي في مديرية كريتر بالعاصمة عدن.
وأفادت مصادر إلى أن الجهة الأمامية من المتحف تحولت إلى محال تجارية وسط كريتر. وتعتبر هذه الحادثة هي الأولى من نوعها في تاريخ عدن، بأن يتم تحويل متحف تاريخي إلى محل تجاري.
ويأتي ذلك عقب تقاعس من قبل الجهات المعنية والسلطة المحلية، والتي يعتقد البعض أنها على تواطؤ بما يحدث.
وطالب المواطنون مأمور كريتر والهيئة العامة للتاريخ أن يقوموا بمهامهم لإيقاف العبث. كما طالبوا بتأمين المتحف والبدء بجدية لترميمه بعد خمس سنوات من تضرره بسبب الحرب.
وهذه هي المرة الأولى في تاريخ مدينة عدن الذي يتحول فيها متحف إلى محال تجارية.
ختام
يوجه الأخ جسار مكاوي - مستشار قانوني في الهيئة العامة للآثار والمتاحف - كلمة أخيرة قائلا: "نحن كهيئة نحتاج لمزيد من الدعم والمساندة والاعتراف بنا من كافة الجهات بوجودنا كهيئة فاعلة لها حق الإشراف والاختصاص في جميع فروع القانون للآثار".
ثم يضيف قائلا: "أطلب من السلطات المحلية ولكل شخص في عدن أو خارجه أن يكون له إحساس بالمسئولية تجاه هذا الباعث التاريخي في الحفاظ عليه لتوارثه ونقله للأجيال، علينا احترام ثقافة وتاريخ هذه المدينة دون العبث بها. أستعير حناجر الناشطين المهتمين بالآثار والمعالم التاريخية وأقول: إن لم تستطيعوا حماية حاضركم احموا ماضيكم! فالشجرة وأن أفنت وماتت تموت واقفة تظل جذورها ضاربة بالأرض"